الحدود
٠٤ أكتوبر، ٢٠٢٦
صورة مدن الداتا

مدن الداتا

فتحي منير العترماني

لم يعرف أهل الوادي لماذا جاءت السيارات في ذلك الصباح، ولا أنّ أرض الوادي ستغدو مَكسوّةً بالسيليكون بعد اليوم.

سبقهم رجال البلدية بيومين، ثبتوا لوحة كتب عليها "وادي الذكاء الاصطناعي"، ثم عادوا مساءً وانتزعوا كلمة "وادي" بعدما تبيَّن أن أوبن إيه آي باتت شريكةً في أراضيهم التي خُصصت لمجمع مراكز بيانات بقدرة خمسة غيغاواط، وأن وجود الوادي بشكله الحالي، أو وجودهم بشكلهم الحالي في الوادي سيعطل المخطط العام.

في اليوم التالي، وصل المهندسون. توقفوا تحت شجرة أمام منزل سالم الجعنازي. بدا أحدهم، وهو أجنبيّ يردتي شورتاً وربطة عنق، وكأنه مستاء. ثم أخذوا يسألون عن الكهرباء والماء والطرق والكابلات، لم يسألوا عن الناس، فلم يكونوا جزءاً من المُقترح الذي قدمه صندوق الاستثمار الوطني للشركة ولم يظهروا على صورة خرائط جوجل عند التخطيط.

قال كبير المهندسين لسالم، الذي خرج إليهم بإبريق شاي، إن الموقع ممتاز: الأرض واسعة، محطة الكهرباء قريبة، البحر ليس بعيداً ويمكن التوسع مستقبلاً لوصله بالوادي. سأله سالم عن الحر. فأجاب أنهم أخذوه في الحسبان. ارتاح سالم لثقة المهندس الأجنبي، إذ عاش في المكان لستين عاماً ولم يخطر له أو لأحد وقف أمام منزله أن يأخذ الحرّ في الحسبان.

بدأ العمل.

اختفت الأرض، ثم الطريق القديم، ثم المجلس الذي كان الرجال يجلسون أمامه مساءً، ثم اقتلعت شجرة سالم، قال المهندسون أن الهدم والاقتلاع لا علاقة له بمركز البيانات، وإنما لتوسعة الطريق المؤدي إلى مركز البيانات، تنفّس سالم الصعداء إذ لم يسبق لأحد أن برّرَ له شيئاً.

وصل الحديد والإسمنت، ثم أجهزة التبريد، ثم أجهزة لتبريد أجهزة التبريد. قيلَ لسالم إن المشروع سيضع المنطقة في قلب الاقتصاد الجديد، وأن الداتا ستنبثق من تحت أقدامهم، وكان أهل المنطقة عاشوا زمناً طويلاً على أطراف الاقتصاد القديم كون النفط انبثق من تحت أقدام القبيلة الأخرى.

كان الاقتصاد القديم يستخرج النفط من تحت الأرض ويرسله إلى العالم. أما الاقتصاد الجديد فيأخذ الغاز من تحتهم، يحرقه لإنتاج الكهرباء، يستخدم الكهرباء لتحلية الماء وتبريد رقائق جاءت من العالم، ثم يستخدم الرقائق لإنتاج قدرة حاسوبية يبيعها إلى العالم.

هذا هو التنويع الاقتصادي، سمعَ السكّان هذه العبارة على نشرة العربيّة، وكان واضحاً لهم أن ما يحدث أمامهم له علاقة بالتنويع وأن الاقتصاد تنوّع؛ ففي السابق كان يحتاج إلى النفط وحده، أما الآن فيحتاج إلى النفط والغاز والكهرباء والماء والرقائق والنفط والغاز.

تغيرت علاقة الناس بالماء منذ ذلك اليوم، فشحّه توقف عن كونه شحاً وصار ضغطاً مؤقتاً على الموارد المائية لتطوير النماذج المستقبلية التي ستساعد سالم وجيرانه على ابتكار حلول لشحّ الموارد المائية.

كان سالم رجلاً قوياً تركت الشمس ندباتها على وجهه، وعلّمته الصحراء أن أن يأخذ في الحسبان رأي ابنه ناصر بصفته جامعي، فقرأ على هاتفه وهو واقف أمام الصنبور أنّ الشركة خفضت استهلاك المياه في مراكزها بنسبة ١٧٪ لكل وحدة حاسوبية، سأل ابنه إن كان ذلك يعني عودة الماء. قال الابن إن النسبة تخص كفاءة الاستهلاك، سأل سالم ابنه كم وحدة حاسوبية يشربها البيت؟.

لم يعرف الابن. فلعنَ سالم أبا الجامعة والجامعات وناصر.

ثم جاءت الحرب.

بعد أشهر عاد المهندسون، وقالوا إن المراكز يجب أن تتوزع على مواقع أكثر، وإن بعضها قد يوضع تحت الأرض، وإن الكهرباء تحتاج إلى بديل، والتبريد إلى بديل، والاتصالات إلى بديل، وكل مركز إلى مركز بديل.

فتح المهندس الخريطة يبحث عن مواقع آمنة. وقع إصبعه على بيت سالم، نظر سالم إليه وسأله إن كانوا أخذوا الحر في الحسبان. 

قال المهندس: نعم.

قال سالم: ممتاز، بقي أن تأخذوا ابني في الحسبان.