في عالم سريع التغيّر — حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الإبداع بشكل غير مسبوق — ترتفع أصوات تنتقد أسلوب الذكاء الاصطناعي في الكتابة، واستخدامه المفرط لعبارات مثل "ليس مجرد... بل"، والشرطة الطويلة — والعناوين الفرعية — والجمل الثلاثية المتوازنة، وكأن امتلاك النص مقدمةً وخاتمةً وسبعة عشر تحولاً جوهرياً بات عيباً ينبغي الخجل منه.
ماذا لو أخبرتك أن ما يصفه البعض بـ "الابتذال" ليس مجرد ابتذال — بل أسلوب تواصل متكامل يضع القارئ في أُسّ التجربة.
أكثر من مجرد تركيب لغوي حاذق
يقول المنتقدون إن الذكاء الاصطناعي يفرط في استخدام "ليس مجرد... بل". كيف لنا أن نعرف أن الشيء ليس مجرد شيء بل شيء آخر إن لم يخبرنا أحد بذلك؟
هذه ليست مجرد إعادة تعريف؛ بل إعادة تصور شاملة.
حين أقول إن القهوة "ليست مجرد مشروب، بل تجربة كاملة"، فأنا أنقذك من الاعتقاد بأنك شربت سائلاً بنياً يحتوي على الكافيين وطعمه كالتراب. وحين يوضح أن الفندق "ليس مجرد مكان للإقامة، بل وجهة"، فإنه يوسع مداركك تجاه المكعب الذي ستنام فيه ثماني ساعات ثم تأخذ عدة الخياطة والصابون وتغادر.
مساحة لتنفس المعنى
ثم هناك الإم داش — أو الشرطة الطويلة — التي تحولت، بشكل غريب، إلى مستمسك يفضح النص بأنه مولّد آلياً.
الشرطة الطويلة لا تقطع الجملة — بل توسعها.
لا تعيق القراءة — بل تمنحها إيقاعاً.
ولا تأتي في منتصف كل جملة تقريباً — بل تظهر — عندما يحتاج المعنى — إلى لحظة — كي يتنفس.
النقطة تنهي الفكرة، وهذه عقلية تقليدية محدودة. الشرطة الطويلة تبقي الاحتمالات مفتوحة — أمام الكاتب — والقارئ — ومدير — دائرة المطبوعات — والنشر — —
التكرار ليس تكراراً
ومن أكثر الانتقادات شيوعاً القول إن الذكاء الاصطناعي يعيد الفكرة نفسها بصيغ مختلفة. هذه قراءة سطحية للمشهد — … — — .. —.—.
فعندما يقول النص إن مشروعاً ما "سيغير المشهد"، ثم يضيف أنه "سيعيد تشكيل المشهد"، قبل أن يخلص إلى أنه "سيعيد تعريف مستقبل المشهد"، فهذه ليست الفكرة نفسها ثلاث مرات.
الأولى تتحدث عن التغيير. والثانية عن إعادة التشكيل. والثالثة عن إعادة التعريف.
والفرق بينها متعدد الأبعاد، ويعكس الطبيعة المعقدة والمتشابكة للغة والمشهد الحالي. ومن المهم هنا عدم الخلط بين التكرار وبين "استخدام نقاط تماس لغوية متعددة لتعزيز غرس الرسائل الرئيسية".
ثلاثاً ثلاث
يميل الذكاء الاصطناعي إلى وضع الأشياء في ثلاثيات: "أسرع، أذكى، وأكثر كفاءة"؛ "الأفراد، المؤسسات، والمجتمعات"؛ "اليوم، وغداً، وما بعده".
وهذا صحيح؛ لكن، لماذا ثلاثة؟
لأن الاثنين مجرد شيئين، والأربعة زوجين متناظرين، أما ثلاثة، فهي استراتيجية.
الذكاء الاصطناعي يدرك أن أي فكرة، مهما صغرت، تحتاج إلى ثلاثة أبعاد كي تصبح شاملة. لا يمكن للشطيرة أن تكون لذيذة؛ بل ينبغي أن تقدم "تجربة غنية، صحية، ولا تُنسى". الموظف لا يمكن أن يكون سعيداً فقط؛ يجب أن يكون "أكثر سعادة، إنتاجية، وإنتاجية". .
العناوين الفرعية: القارئ يستحق أن يعرف أين هو
"وهنا بيت القصيد".
"لكن الأمر لا يتوقف هنا".
"الصورة الأكبر".
"ماذا يعني ذلك بالنسبة لك؟".
قد يسخر البعض من هذه العناوين، وهم بذلك يفترضون أن القارئ يستطيع الانتقال من كلمة إلى كلمة، ومن جملة إلى جملة، ومن فقرة إلى فقرة، دون نظارة أو أحد يأخذ بيده. وهذه مخاطرة قد لا تحمد عقابها.
فحين يكتب الذكاء الاصطناعي "لكن الأمر لا يتوقف هنا"، فإنه يؤدي وظيفة إنسانية أساسية: يخبرك إلى أن المقال — في عالم سريع التغير — لم يتغير، ولم ينتهِ بعد، وعليك استجماع قدرتك ومواصلة القراءة، من اليمين إلى الشمال، من الأعلى إلى الأسفل، بدل أن تتوه عينك وتعود لقراءة الفقرة السابقة أو العنوان مجدداً..
هناك أيضاً من يسأل: لماذا يبدأ كل شيء بـ "في عالم سريع التغير"؟ لكن السؤال الأهم: هل نحن في عالم بطيء التغير؟
إن افتتاح أي نص بهذه العبارة يمنحه سياقه التاريخي. سواء كنت تكتب عن الثورة الصناعية الرابعة أو وصفة سلطة الملفوف، فكلاهما يحدثان في العالم، والعالم سريع التغير، وبالتالي فإن ذكر ذلك ليس مجرد حشو، بل دقة سياقية.
وفي ظل المشهد المتطور باستمرار، لا يمكن التقليل من أهمية ذلك.
لكن ماذا لو أخبرتك أنك مع تساؤلاتك جزء من السياق إذ لا توجد إجابة واحدة تناسب الجميع
ومن علامات النضج في الكتابة بالذكاء الاصطناعي رفضها الوقوع في فخ الإجابات. تسأله
عن الساعة؟ فيخبرك أنه في بعض السياقات، قد يكون من المفيد أولاً تحديد ما نعنيه بـ "الساعة"، يوم القيامة أم نوبة الصرع؟.
هذا ليس تهرباً — بل احتراماً لمهزلة العقل البشري.
ربما حان الوقت للتوقف عن مساءلة الأسلوب، ونسأل عن مستقبل التواصل بين الإنسان والآلة؟
فاللغة تتطور.
والأدوات تتطور.
ونحن نتطور معها — نوعاً ما.
ما قد يبدو اليوم عبارة مكررة قد يكون غداً منظومة لغوية أكثر مرونة، شمولاً، واستدامة. تفتح آفاقاً جديدة أمام علاقة الإنسان بالكلمة.
لذلك، في المرة المقبلة التي تقرأ فيها منشوراً يبدأ بـ "في عالم سريع التغير"، ثم يخبرك أن شيئاً "ليس مجرد شيء بل رحلة"، ويطلب منك أن "تدع ذلك يستقر للحظة"، قبل أن يذكرك بأن "الأمر لا يتوقف هنا" — لا تسارع إلى اتهام صاحبه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
قد يكون مجرد إنسان.
وهذا ليس مجرد احتمال — بل تذكير قوي بأننا، بفضل الذكاء الاصطناعي سنرى ما يجمعنا، ونصير واحداً، أحاديّاً، ومتّحداً.




