الأقلام المأجورة في شهر

الأقلام المأجورة في شهر آب: الصحافة القطرية تلقن مفاهيم المواطنة درساً

صورة الأقلام المأجورة في شهر آب: الصحافة القطرية تلقن مفاهيم المواطنة درساً

نُقدّر في جحصع الجهود الكبيرة المبذولة من الصحافة العربية للتنافس على الفوز بالجائزة لما تُمثّله من فرصة نادرة للاحتفاء بالرداءة. ونتفهّم شكاوى الصحفيين بأنّ مجرد الترشّح للفوز أو تصحيح أخبارهم وعناوينهم ليس كافياً لتغطية الجوانب كافة من سوءاتهم. لذا، وحرصاً منا على حق كل قلم مأجور بالحصول على التقدير الذي يستحقّ، نُقدّم مراجعة شهرية لأبرز ما تناولته الصحافة وما لم تتناوله آملين ألّا تشعر أي وسيلة إعلامية بالإهمال أو التقصير من جانبنا وتتذكر أنّ باب المنافسة شرف وأنّ الفوز للأسوأ.

بينما كنت تهرب، عزيزي القارئ، من الحر جالساً تحت المكيف تتابع قصائد قناة الجزيرة في مدح فتوحات طالبان في أفغانستان، جهّزت الجزيرة إلى جانب كوكبة من الصحف القطرية الأخرى فقاشاتها وحمّت طبولها وتزيّنت بأبهى الحُلل المانشيتات العريضة للمشاركة في عرس قطر الديمقراطي، كي يحتفل العالم للمرة الأولى بجمع كلمتي "قطر" و"ديمقراطية" في جملة واحدة. 

وخلافاً لقانون الانتخابات الذي يفتقر إلى المرونة والانفتاح في تعريف المواطن القطري، أظهرت المواد الصحفية مرونة هائلة في تعريف مفاهيم مثل "ديمقراطية" و"استحقاق تاريخي" و"انتصار"، لتسطر مقالات عكست انفتاحاً على مصطلحات جديدة وتنوعاً واسعاً في أشكال طرحها؛ من مدح الانتخابات إلى مدح الدولة إلى مدح النظام إلى ذم كل من لا يمدح الانتخابات والدولة والنظام.

وامتدت هذه المرونة إلى قطاع الترجمة؛ فدأب مترجمو صحيفة الشرق على ابتكار قيم جديدة للترجمة، قائمة على ليّ عنق المصطلحات والجمل وإعادة صياغتها لتتناسب مع رؤية الدولة، قبل حذف الجمل غير القابلة للتطويع، وقد مثّلت ترجمة الصحيفة لتقرير صحيفة لاكروا الفرنسية حول النظام السياسي في قطر باكورة هذا الفن الثوري في عالم الترجمة بتحويل التقرير النقدي إلى مقطوعة شعرية في مديح الدولة.

وتوازى العرس الخليجي هذا مع حالة العزاء المُستمرة منذ أعوام في لبنان، ما دفع قناة الـ MTV إلى العوم في عالم الميتافيزيقيا لتفسير ما يحدث للمواطن اللبناني، بعدما تجاوز الواقع قدرة تحليلاتها الأرضية وبدء بالتغول على انتماءاتها السياسية؛ إذ أخذت القناة على عاتقها شرح أن انفجار صهريج الوقود - كالذي حدث في عكّار - أو المشاجرات المسلحة - كتلك في خلدة - شيء مقدّر ومكتوب لهم في النجوم والكواكب توقعه الوسيط الروحي ميشال حايك، لا مرة، بل مرتين، في خطابه التحفيزي بداية العام، في أخبار توضّح حجم المجهود الذي يبذله موظفو القناة بالعودة إلى تسجيلات المُنجّم ومشاهدتها كاملة وإيجاد العلامات والإشارات والروابط بينها وبين الواقع اللبناني. 

أمّا الصحف المصرية، فاختارت - على غير عادتها - اللجوء إلى المنهج العلمي في تفسير الظواهر السياسية، حيث تلقّت شكاوى المواطنين من رفع الدعم عن الخبز واستوعبت مخاوفهم ثمّ بثّت مواد صحافية/علمية تطمئن قلوبهم بأنّ الزيادة تصب في مصلحتهم وتحميهم من شراء هذه المادة الخطيرة التي قد تصيبهم بمرض قاتل أو تُستعمل في صناعة الخمور، لتُفنّد الإشاعات السائدة بأنّ الخبز ضرورة وركن غذائي أساسي للمواطن الفقير.


في نهاية المطاف، وضعت الصحافة العربية - كما تفعل في كل شهر - خلافاتها ومناوشتها ورشقها الاتهامات بالعمالة والخراب لبعضها البعض جانباً، وتوحدت معاً على حب الحكام والملوك بأنواعهم وأولياء العهد والدكور بإظهارها وجهها الحساس وقدرتها السحرية على اختراع مفاهيم وصور جمالية تناسب إنجازات الرؤساء مهما كانت صغيرة في الميادين السياسية، الأمر الذي يغني عقل القارئ العربي بأدبيات الغزل العذري.