في مشهد بات يتكرّر شهرياً، عبرَ الشاب سميح مدّوح الشارع باتجاه المبنى الذي يضم مكان عمله ماراً تماما على الخطوط البيضاء المتوازية العريضة، أملاً بالوصول إلى الطرف الآخر سليماً، بحسب تعبيره، مما أدّى إلى ارتطامه بسيارة وتضررها وكسر زجاجها الأمامي.
وفي حديث مع أحد أقارب قاطع الطريق، برزت صورة واضحة عما جال في ذهن سميح لحظة اتخاذه القرار، "سميح يرى نفسه مثقفاً وأن بإمكانه جعل العالم أفضل بجعل نفسه أفضل، ومن يريد جعل مجتمعه أفضل فعليه أن يعمل مثله. إنه مريض".
لكن الواقع المروري لا يعمل وفق هذا المنطق الاجتماعي إذ يرى الأخصائي النفسي جميل بلاطة أن هناك ديناميكية خطيرة بين السائق والمشاة الذين يعبرون بهذه الطريقة. يقول بلاطة: "السائقون يشعرون بالتحدي تجاه الأشخاص الذين يظهر عليهم الثقة المفرطة بقواعدهم الشخصية عند عبور الشارع؛ هذا التصرف يحفز السائقين على الاندفاع نحوهم بشكل غير واعٍ، كرد فعل طبيعي وعدواني ضد هذا النوع من الاستعلاء الاجتماعي".
ويشير خبراء السلامة المرورية إلى أن الأمر يتجاوز مجرد ردود الفعل النفسية للسائقين، فالعديد منهم يفسرون عبور الشخص على خطوط المشاة المزدوجة كإهانة مقصودة على شكل رسالة تفيد بأن المشاة يعتبرون أنفسهم في مأمن كامل ولا يلاحظون وجود السيارات من الأساس، فيضطر السائق إلى إثبات عكس ذلك عبر زيادة السرعة والاندفاع نحو المشاة، حتى لو تطلب الأمر استهلاك وقود إضافي.
من جهة أخرى، يمثل الإحساس الزائف بالأمان الذي يعيشه المشاة أثناء عبورهم هذه الخطوط خطراً إضافياً يهدد حياتهم شخصياً، وليس فقط سلامة السائق وحده. فعندما يعتمد الشخص على وجود الخطوط كضمانة مطلقة للسلامة، يقل تركيزه وانتباهه للمخاطر المحيطة، مثل السيارات القادمة بسرعة أو السائقين المشتتين. هذا الانخفاض في اليقظة يجعل المشاة أكثر عرضة للدهس، حتى في الحالات التي لا يكون فيها السائق يستهدفهم عن عمد.
ولحسن الحظ، يبدو أن الظروف البيئية لعبت دوراً في تخفيف وطأة الكارثة، فالتقارير تشير إلى أن خطوط المشاة في الموقع كانت شبه ممحية، والأرصفة مكسورة وإشارات المرور تحمل رسومات عشوائية غير مقروءة، الأمر الذي جعل انتباه السائق يتشتت عن الطريق ويركز على هذه التفاصيل الجانبية، ما أعطاه وقتاً كافياً للتفاعل مع الموقف بطريقة أقل فتكاً متجنباً وقوع حادثة قاتلة.




