الحدود
٢٢ سبتمبر، ٢٠٢٦
صورة الشخص المجاور لك على الطائرة يوسع فتح ذراعيه شيئاً فشيئاً بما أنك لن تنتبه

الشخص المجاور لك على الطائرة يوسع فتح ذراعيه شيئاً فشيئاً بما أنك لن تنتبه

فتحي العترماني

هل أتاكَ نبأ كُ.أُ.؟ ذاك المسافر الذي نكزك بعربته أربع مرات وأنتم مصطفون على طابور ختم الجوازات، ها هو يجلس جوارك على مقعد الشباك في الطائرة ومانَ عليك بتوجيه المكيف الخاص بك نحوه لأن الدُّنيا حرّ.

أنا هنا لمساعدتك، فأنا معكم على هيئة المضيفة الثالثة، أراقب التطورات عند مقعدكم وتصاعد الأحداث.

لا تظن أنَّ سكبه القهوة على بنطالك لحظة تسلمه الكوب من المضيف هو أسوأ ما سيحصل لك خلال هذه الرحلة، حذارِ من استخدام يديك لفتح طاولة المقعد، إذ أمضى الدقائق الخمس الأخيرة يدرس حركة يديك لينقضَّ على مسند اليدين.

لا تفتح الطاو… لا تفـــ… فات الأوان، ها هو يفتح ذراعه، ببطء شديد، حركة لا تستطيع العين البشرية رصدها، لكنها كافية لأن يصبح كوعه بعد عشر دقائق في المكان الذي كانت فيه ساعتك.

لا تحدّق إليه. هذه بالضبط اللحظة التي ينتظرها كي يشتت انتباهك ويسألك بلطف "تُرى فوق أي مدينة نطير الآن؟"، فتقول "لا أعلم، ربما جدّة"، وتدير وجهك مع ابتسامة، فيصبح لديك إقرار شفهي بأن كل شيء على ما يرام.

انظر أمامك وتصرف بشكل طبيعي. إنه لا يستولي على المسند دفعة واحدة كي يمنحك واقعة واضحة تستطيع الاعتراض عليها؛ يدفع كوعه نصف سنتيمتر كلما فتحتَ هاتفك، ونصفاً آخر كلما مرّت عربة المضيفين، ثم يثبت موقعه الجديد لدقائق حتى تنسى أين كانت الحدود أصلاً.

وقد دخل الآن المرحلة الثانية. الكتف.

لاحظ كيف أرخى جسده قليلاً باتجاهك. سيبدو الأمر في البداية وكأنه غلبه النعاس، حاول استعادة المسند الآن، برفق. ممتاز. ضع كوعك… نعم… ها قد لمسته.

ابتسمَ لك. حذارِ، هذه ليست ابتسامة. لقد عرف أنك تعرف.

سيترك لك سنتيمترين لبعض الوقت كي تشعر أنكما توصلتما إلى تسوية، ثم ينتظر ذهابك إلى الحمام. وحين تعود ستجد ذراعه ممدودة على المسند بكاملها، وفوقها بطانية، وفوق البطانية سماعاته، بحيث يصبح اعتراضك مسرحاً يستجلب رمقات المسافرين ويجعلك ذاك المسافر المتذمّر الطفولي الذي لا يرأف بالمسافرين المُتعبين ولا يعرف ضبط نفسه بضعة ساعات.

لا تقلق، ما زال لديك الجزء الأمامي من المقعد. مدّ ساقيك قليلاً وخذ راحتك.

تباً، لقد خلع حذاءه… أرجوك لا تنظر إلى الأسفل. 

قلت لا تنظر! حسناً، بما أنك رأيتها، فهذه القدم الموجودة قرب حقيبتك ليست ضائعة. يعرف صاحبها جيداً أين هي. بدأ الأمر بإمالة الركبة نحوك بحجة إراحة الغضروف، ثم عبرت القدم الخط الوهمي بين المقعدين، وهي الآن تستطلع المنطقة تحت كرسيك تمهيداً لوصول الحقيبة الصغيرة لاحقاً.

تبقّى على الرحلة ساعتان وسبع عشرة دقيقة. لا تحاول مقاومته طوال هذه المدة، حافظ فقط على الأشياء التي ما زالت تحت سيطرتك: جيبك وجيب مقعدك، جواز سفرك، وربما الجزء الصغير من الحزام.