الحدود
٠٤ أكتوبر، ٢٠٢٦
صورة شاب إيدجي أكثر من الشاب الذي يتكلم الإنجليزية يتكلم العربية

شاب إيدجي أكثر من الشاب الذي يتكلم الإنجليزية يتكلم العربية

فتحي العترماني

ظلّت الإنجليزية لسنوات الملاذ الآمن للشاب العربي الراغب بإفهامك أنه لا يشبهك، ولا يشبه أهله، ولا يشبه الحي الذي يسكن فيه، رغم أنه يركن سيارته على الرصيف أمام باب المبنى عند عودته ليلاً.

كان يكفيه أن يقول ليترالي في منتصف جملة عن ارتفاع سعر البنزين، أو يصف سندويشة الشاورما بأنها برو إتس إنسيييين، أو يجيب والده بـ فير اينَف حين يهدده بالطرد من المنزل، حتى تعرف أنك أمام شخص عاش تجارب لا يمكن للعربية استيعابها، وشاهد Fight Club مرتين على الأقل، إحداهما دون ترجمة.

لكن تلك الأيام ولّت. فالإنجليزية باتت اليوم اللغة البيسيك؛ يتحدثها موظف الموارد البشرية وصانع المحتوى، وابن خالتك الذي سافر قبل يومين إلى دبي، ومدير المشروع الذي يطلب منك تشفيت بعض التاسكات للغد بسبب إرجنت بروجكت لديكم، حتى والدتك أصبحت تقول لك اتسوكيه بعد أن تتوعدكم بمغادرة المنزل وترككم للكلاب الشاردة.

لهذا، بدأ كُ.أُ. بالانسحاب من الكلمات التي أُفرغت من معناها كدلائل على الاستقلال الثقافي والعودة إلى آخر مساحة لغوية لم تطأها أقدام الماينستريم: العربية. ففي الوقت الذي يمضي رفاق كُ.أُ. يناقشون البِرن آوت والدايتينغ سيين والتوكسيك وورك إنڤايرومنت، تراه يضع فنجانه جانباً ويقول بهدوء: "أوكيه، دعني أختلف معك لطفاً في هذه المسألة".

يقول كُ.أُ. للحدود إنَّ أي أحمق يستطيع اليوم أن يقول إن لديه كوميتمينت إيشوز، أما أن يجلس رجل في مقهى مزدحم ويواجه مخاوف بالقول إنه "يخشى الارتباط"، فهذه جرأة لا يوفرها إلا شخص لم يعد لديه شيء يخسره اجتماعياً.

الإنجليزية بالنسبة لـ كُ.أُ. كانت جداراً شاهقاً يفصل بينه وبين المعنى أكثر من كونها لغة "تستطيع أن تقول إنك تمر بـإكزيستنشال كرايسِس ثم تكمل حديثك دون أن يلتفت أحد إليك، ولكن جرّب أن تقول 'أمر بأزمة وجودية يا شباب' وانظر إلى الحيرة في وجوه أصدقائك وهم يبحثون عن الكلمات المناسبة ليخبروك عن ضياع المعنى وفقدان الدافع التي لا يعرفون قولها بقدر بلاغتك".

يلاحظ كُ.أُ. أنَّ تحدث العربية لم يعد انعكاساً لروحه المتمردة وحسب، بل سراً يدعونا لسبر أغوار شخصيته الغامضة. كيف لشاب في مقتبل العمر مثله أن يكتب رسالة من ثلاث فقرات من دون إدخال كلمة إنجليزية واحدة، يتسائل متسائلون من حوله… هل يكتب رواية سيكريتلي؟ هل توظف في وزارة الخارجية؟ هل انضم إلى كلت ما؟ هل يجب أن نفتش حقيبته؟

يدرك كُ.أُ. أنَّ عليه دفع ثمنٍ لهذا التميز أيضاً، فالطليعة دائماً وحيدة، ولا يفهمها المجتمع في وقتها. "وقد يسخر منك أصدقاؤك اليوم لأنك تقول 'على أي حال' بدلاً من أني ويه، ثم يقلدونك غداً، وحينها ستضطر إلى الرحيل مجدداً بحثاً عن كتابٍ لتعلم قواعد الهيروغليفية".