أنتمي إلى جيلٍ كان الكذب عنده ملح الرجال، وكانت الصّياعة والبلطجة على أيّامه لها آداب، وعندما أقول جيل، فأنا لا أستثني أقراني من الأعداء، فهم أيضاً -رغم أنهم أعداء- كانوا رجالاً يحملون قيماً ومبادئ عند التنكيل فينا.
تذكرون عندما قارعوا سبعة جيوش جرارة وكبدّونا هزيمة نكراء ماذا أسموا المعركة؟ أسموها حرب الاستقلال، لا "الجرف الصامد" ولا "السيوف الحديدية" ولا الأسد ذو اللّية المترهّلة كما يفعل سفهاء اليوم.
في ستينيّات القرن الماضي، في ليلة ممطرة من ليالي الهزيمة، أتذكّرُ كيف أخرجنا الجيش من البيت وصفّنا على الحائط، تقدّم الضابط بأدب وعينه في الأرض وقال أن أرضنا ذات الثلاثين دونماً تقع فوق تلّة عطسَ عليها النبي موسى عطسةً شقّت نهر الأردن.
صحيحٌ أنهم كانوا مدججين بالأسلحة، لكننا بهتنا من هول الكذبة وليس من تهديد السلاح؛ وصحيحٌ أن حزني على المنزل كان كبيراً، لكنّ تأثّري باجتهاد الضابط في بناء الرواية وتماسكها ومدى اقناعها جعلني أتقّبل المرارة بكبرياء.
ما يحزنني اليوم هو اندثار قيمة الكذب وتراجع أهميّة الذريعة؛ فما كان يميز ذاك الجيل هو امتلاكهم من الأدب ما جعلهم يبحثون عن حجج تليق بمقامنا وتمسح عنّا عار الهزيمة وتحفظ لنا ماء وجهنا لنكبر ونخبركم ببطولاتنا ورجولتنا.
أما اليوم، فيدخل مستوطن بيوتنا بالرشّاش ليخبرنا أن هذا المنزل أصبح له. هكذا، دون عناء اختلاق رواية معقولة تدخل الرأس، لا مبرر منطقي، لا قصة فيها روح، لا أدب لا أخلاق لا تربية، ولا حاخام يأتي بأدلّة توراتيّة على حدوث عطسة.

.jpg&w=3840&q=75)


