لا.
والسؤال ذاته سمج مثل تلك الأسئلة التي يسألها المتصلون بالإذاعة في رمضان. فكيف سيتعمّر؟ وعن أي لبنان فيهم نتحدّث؟ هل راجع يتعمّر لبنان تشمل مزارع شبعا؟ أم مثل الجنوب؟ من سيعمّره؟ ومن أين تأتي الدولارات اللازمة للإنشاءات والبناء وقد حجبها السيد رئيس الكوكب عن أي برغي في المحور.
عندما سألت نفسي هذا السؤال كنت أعلم أنه يشير إلى أغنية الفنان الصاعد والحنجرة النحاسيّة زكي ناصيف. فقد عُرف الأخ زكي بالبلاغة واستشراف المستقبل، وكلمات "الهوى" في أغانيه ليست عن الهوى، باستثناء قوله "خلي الهوى مكتوم بقلوبنا" عن حريّة الصحافة، وقوله "ودانا الهوى ع دروب الهوى" عمّا خربشته الحرب الأهلية من معالم الطرق حيث لم يكن هناك وقتها خرائط غوغل. عدا ذلك، غالباً ما يقصد أبو ناصيف بـ الهوى أشياء معيّنة تحتاج من المستمع أن يدرك أسباب نزول الأغنية والسياق.
رفض الأخ ناصيف غناء راجع راجع يتعمّر راجع لبنان لصالح شركة سوليدير، وأصرّ على غنائها في الحقبة الأهلية جكراً بالحريري. اتسمت الحريريّة بأسئلة بالبترودولار والمقاولات والخصخصة وخلط التجارة بالإمارة و"المجوز ترغل عالدبكة". والمعلم ناصيف كان ذكيّاً، فرفض الإجابة عن هذه الأسئلة، وفضّل السؤال عن الأجوبة. والسؤال عن الإعمار يعود إلى الحقبة الأهلية التي اتسمت بالخوف والجوع ونقص الأموال والثمرات، تماماً كما اليوم، لكن بتركيز أقل على النازحين "وما بيشبهونا"، واهتمام أكثر بالقبور الجماعية وأسئلة الهوية على الحواجز.
أجاب الأخ زكي، بعفويته الجادة وأسلوبه المميز في الواقعية السحريّة، بالطلب من المواطن أن يراجع السؤال نفسه، فقال: راجع "راجع يتعمر"، أي أعد النظر بالفكرة. كان زكي مدركاً لاستعصاء الحالة اللبنانية وهو الذي عاصر حروبها الأهلية منذ ١٨٦٠. ويقر زكي في العبارة التالية بأن إعادة النظر بإعادة الإعمار لا تكفي، فيسأل: هل راجع "لبنان" بحد ذاته؟ طالباً من المواطنين مراجعة جدوى لبنان كمشروع من الأساس.
تتفتّق كلمات الأغنية اليوم عن احتمالات ومعانٍ معاصرة في أمعاء المواطنين، فكلمات زكي صالحة لكل حرب أهلية واقتتال وحرب إسناد.هل راجع لبنان بمعنى أنه سيعود إلى الماضي؟ وفي تلك الحالة، إلى متى بالضبط؟ اقترح مجرمو الحرب في إسرائيل أن لبنان راجع إلى العصر الحجري. أم أنه راجع إلى كونه سويسرا الشرق حيث لا ضاحية جنوبية، ونزرعها مشاتل ليمون على الأنقاض كما جعجع سمير؟ لربما كلمة راجع نزلت بمعنى الغثيان؟ أي أن يصل لبنان مرحلة يتقيّأه مواطنوه من كثر ما أكلوه فاسداً وشربوه ملوثاً؟
كان ناصيف، وقد عرف بتسريحة شعره، وعُرف به لبنان المتخيل، محظوظاً بما لم يراه.




