تغطية إخبارية، تقرير

هل أخطأ الواقع في فهم الحزب؟

فهمي الخفيف - مراسل الحدود للميتافيزيقيا

Loading...
صورة هل أخطأ الواقع في فهم الحزب؟

يستغرب علماء النفس والمؤرّخون من رفض الواقع الانصياع أمام حزب الله. فلماذا يصرّ هذا الواقع، ومعه الفيزياء والتاريخ والحقيقة بشكل عام، على أن الحزب أساء الحساب وأنه خسر المعركة والحرب والصراع والوجود رغم أن الحزب أوضح عدّة مرّات أن ذلك غير دقيق؟ 

أوّلاً - يشي هذا الاختلاف بأن الواقع لم يستوعب اقتراب عودة المهدي، الذي سيخربش التاريخ ويركل سلّة مهملاته. فالعالم ليس واقعاً وفيزياء وكوناً فحسب، بل فيه أيضاً مجموعة من الأمور الأعلى من الوجود، مثل الله وعودة المهدي ويوم الحشر. لذلك، يراهن الواقع على خسارة الحزب، وبئس المراهنة، فالمعروف أن حزب الله هم الغالبون. يتناسى الواقع أن الشجرة ستنادي على المسلم وتدلّه على موقع اختباء شلومو المنيك (تلفظ: ال-من-يك، درءاً لسوء الفهم).

ثانياً - ليس الواقع وحده في حالة من الهذيان؛ فالثورة السورية أساءت فهم الحزب، والقنابل المخترقة للتحصينات لم تفهم أن السيد لا يخشى الشهادة في مخبئه، والأمل يهلوس فينعقد في قلوب النازحين عن ضاحيتهم، والفقر أعمى فيأكل الناس، تاركاً ما بارك الله فيه من مليارات فيلق القدس - لواء لبنان - حرس الثورة الإيرانية. 

أي إن سوء الفهم بين الواقع والماورائيات شامل. فالأجانب الكفّار أيضاً يريدون ويسعون وينتظرون مجيء أو عودة المسيح (مع أن كل الفلسطينيين يريدون العودة أيضاً، وقد يكون المسيح بينهم الآن في أحد سجون الاحتلال).

ولكي تفهم عزيزي القارئ سبب ومنبع وأصل وعقدة سوء الفهم، عليك أن تتأمل المعادلة الآتية التي يعتمدها الواقع لفهم التاريخ:


والتفسير، لمن لم يُصغِ خلال حصة الرياضيات السياسية مع الأستاذ إياد رفيدي في الصف التاسع، كما يلي: حدود التاريخ في نهاية المطاف يحدّدها عدد السنوات المتوقعة لحكم السيد رئيس الكوكب ترامب، مضاعفة بسرعة تضخّم طموح نتنياهو، ضرب معامل الصمود والتصدي العالمي، مقسومة على التهام الصين لتايوان. ويتجه التاريخ في هذه المعادلة إلى أحد احتمالين بحسب سعر برميل النفط بحلول موعد الانتخابات النصفيّة الأمريكية، فإما الحرب العالميّة الثالثة، أو حالة ما من الفوضى قد تنزلق إلى المنطقة لا سمح الله.

أما الحزب، فلديه معادلة أخرى يرى من خلالها التاريخ، وهي كما يلي:


وتفسير هذه أن مطاف التاريخ ينحو، حسبما يرى المرشد، مضروباً بشهادته ومقسوماً على احتمال عودة المهدي، نحو أحد مسارين يعتمد كلاهما على سعر البرميل: فإما يتجه العالم إلى المعركة الكونيّة الأخيرة في حال تمت السيطرة على سعر البرميل، أو حالة من الفوضى في حال تجاوز سعر البرميل حدوده.

ولكي نفهم أثر هذا الاختلاف في الرؤية على الحزب، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ونفقأها بـ ثلاثة متغيرات أساسيّة:

أوّلاً، الحزب ثابت والواقع متغيّر. الواقع يميل يسرةً مع سعر برميل النفط، ويمنةً مع شهوات نتنياهو، أمّا الحزب، فما شاء الله ثابت: يرحل سيد ويأتي نعيم، يرحل علي ويأتي مجتبى، يهجّر ثلث لبنان فداءً لحذاء فكرة المقاومة (والمقاومة فكرة كثيرة الأحذية). توضع طواطم على الروشة، لا يهم، الحزب ثابت، لا يسلّم، ولا يسلم، ولا يترك مجالاً لرحمة الله أن تنزل.

ثانياً، في ثباته، وضع الحزب له هدفاً لا يحيد عنه: تحرير الجنوب استعداداً لاستضافة المهدي على شرف الولي الفقيه في القدس. ولذلك، إذا حررنا الجنوب بشكل مبكر فذلك من أجل أن تحتله إسرائيل مجدداً كي نحرره. وإذا كان تحريره الثاني مكلفاً لا بأس فرزقكم ونصر-الله-كم في السماء وما توعدون. وإذا كانت الطريق إلى القدس تمرّ بالقصير، فما يمنع مجزرتين على صرح التحرير؟ نأكل ونشرب ونطلق النار بما أذنت لنا إيران ومدّت.

ثالثاً، والأهم، الحزب في ثباته لا يفقد القدرة على مفاجأة الواقع. ففي حين يحاول الواقع جاهداً أن يفهم، يلعب الحزب مجموعة من التكتيكات كي يبقيه في حالة من الارتباك: نحتل بيروت دفاعاً عن شبكة اتصالات سلكية، ثم نستخدم البيجرات. يفجرّون اجتماعاً نعقد توّاً مثله. نُهزم منتصرين. مقاومة تحكم، تهاجم دفاعاً وتدافع رداً، توافق أن تسلم سلاحها على حدود إسرائيل لكن تأبى عند مزارع الحشيش.

وهكذا جانب الحزب الصواب وأساء فهمه الواقع. وثقل الحمل على النازحين، ورفيقٌ من فلول اليسار في المقهى يوضّح أن الصراع، مهما حصل، صراعٌ ماديٌ تاريخيّ، فيلتزم دفاعاً عن الحزب استحياءاً مما كان يقول، وكأن أحداً كان يصغي.

شعورك تجاه المقال؟