تقرير

أربع نصائح لتبادل الحديث مع الناس في المصعد بدلاً من التحديق في السقف

نورس براغي، مراسل الحدود لشؤون الجحيم، فرع المصاعد

صورة أربع نصائح لتبادل الحديث مع الناس في المصعد بدلاً من التحديق في السقف

الغريب الذي يشاركك المصعد، هذا الذي تُفضّل تأمّل سقف المصعد وزواياه وأزراره عوض النظر في عينيه، ليس سوى إنسان طبيعي، يريد الوصول إلى وجهته مثلك، يضغط زر المصعد ويحاول إغلاقه على نفسه بأسرع ما يمكن قبل أن تصل ويعلق معك، تماماً كما تفعل أنت، يكره وجودك كما تكره وجوده، يستثقل دمك كما تستثقل دمه، لا يُحدق بك أكثر ممّا تُحدّق فيه، ورائحة أنفاسه ليست أسوأ من رائحتك. ربما هذا التشابه بينكما هو ما يجعلك لا تطيق النظر إليه ولا يطيق النظر إليك، معه حق.

لكن يا عزيزي القارئ، لأنك مجبرٌ يا أخي لا بطل، ستعلق معه لبضع دقائق؛ دقائق تشعر بكل ثانية منها تنخر بعقلك وكأنها ساعات من حرب استنزاف، لتصل إلى وجهتك مُنهكاً لا تقوى ركبك على حملك. ولنواجه الأمر؛ على الأغلب أنّ باب المصعد سيفتح أبوابه على باب مقرّ عملك، الذي تتحوّل فيه الدقائق إلى ساعات أيضاً، فلم لا تقتل الوقت وتتحدّث معه قليلاً عوض أن يقتلك - الوقت وليس هو - أترى أين ذهبت بتفكيرك يا انطوائي؟ 

نُدرك أن المسألة ليست سهلة؛ فهناك مجموعة من الخطوات عليكَ اتباعها قبل الشروع بتبادل أي جملة مع هذا الآخر المخيف:

أولاً: تفحّص أزرار المصعد. تأكّد من وجهة الشخص الآخر لتحديد طول الجملة التي ستقولها له، بحيث لا تكون قصيرة جداً فتضطر للتفكير بغيرها وتجعل الموقف أكثر إرباكاً، أو طويلة جداً بحيث يصل إلى وجهته قبل انتهائك من الكلام فيخرج ويتركك تتحدث كالأبله. وإياك، إياك ثمّ إياك أن تتبادل معه أي جمل في حال كنتما ذاهبين إلى الطابق نفسه، في هذه الحالة لا تحدق في السقف فقط، لا بل أدر ظهرك له تماماً وحاول الخروج قبله والادعاء بأنك مستعجل، أو أو - وهذه خدعتي المفضلة - مثّل أنك تلقيت اتصالاً وابدأ مكالمة وهمية مع نفسك، وإلّا يا عزيزي لن تخرج من المصعد هذا سالماً، لا والله، لأنّك ستضطر للمشي معه في الممرات لينتقل الحديث إلى حديث آخر وآخر، وربما تقفان قليلاً على باب مكتبك تحاولان إنهاء الحوار فتتأخر عن عملك أو يمر مديرك بجانبكما ويوبخك أمامه ويعلم هذا الغريب أنّك ممسحة المكتب.

ثانياً: تأنَّ وادرس سيكولوجيا الغريب في المصعد. قبل أن تفتح فمك وتقول أي كلمة، تأكّد من أنّ الشخص المقابل سيرد عليك بالقدر الملائم من الكلمات: "كيف حالك؟ الحمد لله"، "أليس الطقس جميلاً؟ نعم جميل للغاية". هؤلاء الأشخاص هم قومك، تعرفهم من العبوس في وجوههم والانطواء البادي في عيونهم، أمّا إن رأيت شخصاً مُبتهجاً يوزّع الابتسامات مجاناً، فاعلم أنّه إنسان مُنفتح على الحياة وعلى الناس ولديه الكثير من الكلام الذي يبحث عن غرباء ليتلوه عليهم، أنت في غنى عن هذا كله، إن رأيته، لا تبتسم، أو تشبك عيناك بعينيه، اكتف بدفن سماعتك عميقاً في أذنيك وعُد إلى تحديقك في السقف وحاول أنّ تبين له أنّك تحدّق في السقف لأنك شخص منهمك بالتفكير ليس لأنك تتجنبه، تمتم مع نفسك، هممم *هزة خفيفة بالرأس* هذا صحيح.

ثالثـ… أتعلم؟ لا يستحق الموضوع كل هذا العناء، ما المُشكلة في السقف؟ حدّق في السقف الجميل المُبقّع والذي يرشح المياه في الموسم المطري، ياه ما أجمل أضواء النيون التي تزينه، آها هذه محروقة؟ واو واحد اثنين ثلاثة أربعة، هناك ثلاثة أضواء فيه، هذا مثير للاهتمام. لماذا عليك تبادل المزيد من الكلام مع مزيد من الناس؟ ألا يكفي أنّك مضطر للحديث مع مديرك وزملائك وعائلتك وصاحب البقالة وسائق التكسي، لماذا نستكتر عليك بعض السكينة في المصعد؟ لا تتحدث معه. لعنة الله عليه وعلى الساعة التي علقت فيها معه في هذا المصعد التافه، لماذا تستخدم المصعد أصلاً؟ استخدم السلالم وحرّك دمك الثقيل قليلاً، عوض إزعاج الغرباء في خلوتهم بالمصاعد، فعلاً أنّك سمج.

شعورك تجاه المقال؟