الحدود تسأل والحدود تجيب

أين ذهب راتبي؟ أنت تسأل ومحرر الحدود يستلف أجرة التكسي كي يحضر إلى المكتب ويُجيب

عنبر حلمبو، خبير الحدود لشؤون التقشف وشدّ الحزام

صورة أين ذهب راتبي؟ أنت تسأل ومحرر الحدود يستلف أجرة التكسي كي يحضر إلى المكتب ويُجيب

في البداية وقبل كتابة أي كلمة، أود أن أعبر عن عميق شكري وامتناني للصديق الأخ مروان عبايات على بادرته الجميلة بالموافقة على تسليفي أجرة التكسي لآتي إلى المكتب وأتمكن من إجابة السؤال وشرب الشاي والقهوة مجاناً، وبالمعية انتهاز الفُرصة لمطالبة حسن بِرَدّ ثمن وجبة الشاورما التي طلبها على حسابي عام ٢٠٠٤.

قبل الإجابة على سؤال أين ذهب راتبك يجب أن نسأل سؤالاً آخر: هل جاء راتبك ليذهب؟ يقع أغلب الناس بتلك المغالطة المنطقية؛ فحين يحل موعد استلام الراتب ولا يرون رواتبهم يظنون أن الراتب ذهب، والحقيقة أن الراتب لم يأت أصلاً، وتم حسمه واقتطاعه على شكل أقساط وقروض ورسوم لقاء خدمات غير مرئية وعقوبات وخصومات تذرّع بها مديرك الوضيع ليوفر على صاحب الشركة حفنة من النقود كان من الممكن أن تأتيك على شكل بقايا راتب.

ولنفرض أن راتبك أو القليل منه وصل فعلاً، فسيكون أشبه بملء خزان سيارة مثقوب بسبعة عشر ثقباً ثمّ التعجب من نفاده بعد الابتعاد عشرين متراً عن محطة البنزين. لو تخلينا أنك السيارة، والبنزين راتبك، فإن السبعة عشر ثقباً هي الديون المتراكمة عليك لصاحب الدكان وفواتير متأخرة وإيجار المنزل وغيرها من الخوازيق، وسترى أنه من المنطقي أن يتسرب راتبك بعد أيام قليلة من بداية الشهر.

ثمَّ، لماذا تسأل أسئلة سخيفة كهذه، ألم تسمع بالآية الكريمة التي تقول "لا تسألوا عن أمورٍ إن تبد لكم تسؤكم" لماذا تضيع وقتك تحشر نفسك وتستفسر عن أمور لا علاقة لك بها مثل قدوم الراتب وموعد ذهابه وإلى أين ومع من سيذهب، أليس الأجدر بك أن تبحث عن  وظيفتين أو ثلاث بعد الدوام؟ خذني أنا قدوة حسنة، فأنا أعمل محرّراً وسباكاً وفني ألمنيوم، لإحساسي العالي بالمسؤولية، خصوصاً أن  في رقبتي - ورقبتك -  أكوام لحم من المسؤولين وكبار التجار الذين يعتمدون عليك لإعالتهم.

بالمناسبة، عندما تسأل يا هذا اعرف من تسأل، وبدل أن تسألني أنا الدرويش على باب الله، اسأل مبرمجي خوارزميات غوغل وفيسبوك التي لحست عقلك بإعلاناتها الموجهة المصممة على مقاس عُقدك وأمراضك النفسية لتقنعك بشراء منتجات لا تحتاجها، فأنفقتَ راتبك على أشياء لا تحتاجها ولم تشترِ جورباً أو سروالاً داخليا جديداً بدل المثقوب الذي ترتديه منذ سنوات، أو اسأل الملاذات الضريبية الآمنة في بنما وسويسرا، أو ابحث جيداً في وثائق باندورا.

أتمنى أن تكون هذه الإجابة مقنعة؛ ويا حبيبي، سلِّفني ثمن سندويشة فلافل وأجرة المواصلات لأعود إلى البيت أكون لك من الشاكرين.

شعورك تجاه المقال؟