الحدود تسأل والحدود تجيب

لماذا يخاف الناس مني؟ طبيب أسنان يسأل ويضع قدمه على فكك السفلي ليثبته أثناء خلعه ضرسك

بقلم طبيب الأسنان د. كُ.أُ

صورة لماذا يخاف الناس مني؟ طبيب أسنان يسأل ويضع قدمه على فكك السفلي ليثبته أثناء خلعه ضرسك

أشعر كل يوم، أثناء مراقبتي لمرضاي ولقائي بهم، أنّهم مجبرون على القدوم عندي. لا أحد يدخل طوعاً إلى عيادتي، رغم أنني أوصيهم بمراجعتي كل ستة أشهر، لا أراهم إلّا كل ست سنوات، بعد أن يصاب فكهم بالشلل وتبدأ أسنانهم بالتشظي ويصل التسوس إلى أعصاب الفم وينتشر إلى عصبونات الدماغ مباشرة. 

عندما أخرج إلى موعد غرامي أو أجلس مع مجموعة أصدقاء وأُسأل عن طبيعة عملي وأجيب أنني طبيب أسنان ترمقني نظرات مرتعدة؛ يضيق بؤبؤ من هو أمامي ويبدأ بالتعرّق وتحريك رأسه مع قوله أوه، فعلاً؟ الأطفال يبكون لأمهاتهم عندما يأتون عندي. الأمهات تبكين ولا تعرفن لمن تبكين عندما يأتين عندي، حتى جاري محمد بدأت دموعه تسيل على جوانب وجهه عندما وضعت قدمي على فكّه وثبته وأحضرت زراديتي وكمشتُ ضرسه الملتهب العنيد وخلعته بكل احترافية وحب. ومع ذلك يخاف الناس مني، لماذا يا الله؟

أنا لطيف، لطيف ووديع أيضاً وأحمل مرضاي على كفوف الراحة. عندما أولج يدي في حلوقهم يكونون مستلقيين مرتاحين؛ أقدامهم مرتفعة على الكرسي مثل السلاطين. أحدثهم وأفتح المواضيع وأُبدي اهتماماً بحياتهم لكنّني في المقابل لا أسمع منهم سوى تأوّهاتهم وصيحاتهم المزعجة. 

في غرف الانتظار وضعت لهم مخطوطات من الأحاديث الشريفة كـ"العين بالعين والسن بالسن" وآيات إنجيلية مثل "هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" للتهدئة من روعهم روحانياً. حتى وأنني عندما أحفر طاحونتهم التي نقرها التسوس أُناغشهم وأغني لهم "كان عنا طاحون عنبع المي" وأطقطق أدواتي بإيقاع متقن على أسنانهم.

لا يوجد أداة طبية حديثة لا أمتلكها للتعامل مع أي مشكلة تطرأ في فم أو فك أو لسان المريض. أكانت إبرة رفيعة مثل تلك التي تدخل بكل خفة بين أعصاب الضرس أو تلك التي نتشاركها مع الأطباء البيطريين في حقن الأبقار، إلى جانب كسارات وحفارات ومسطرين وجبصين؛ أنا مختص بدقائق ميكانيكا الفم ولا أرضى بأنصاف الحلول، إِنمّا أعالج المشلكة نهائياً وأقتلعها من جذورها العفنة.

ويستمر الخوف... رغم طيبتي وتساهلي بدفعهم الأتعاب مع أنّ خدماتي هذه لا تقدر بثمن .عندما يخرجون من الكرسي ويدهم مصمودة على خدهم الأيمن من الألم الجسدي وأقول لهم السعر، تراهم يضعون يدهم على خدهم الأيسر مصدومين من التكلفة المعقولة التي في كثير من الأحيان أسمح لهم بتقسيطها على ٦ سنوات بفوائد منخفضة جداً.

شعورك تجاه المقال؟