خبر

كيف أصبح لبنان باريس الشرق الأوسط عام ١٧٨٩؟

عبد الغني لوز الدين، مراسل الحدود لشؤون الطبقة الأرستقراطية

صورة كيف أصبح لبنان باريس الشرق الأوسط عام ١٧٨٩؟

لطالما حظي لبنان بمكانة متميزة في مخيلة العرب، وهي مكانة بنيت أساساً على كونه مرتعاً لأثرياء عرب اعتبروه ومساحة آمنة مثل مدينة لاس فيغاس، لا يحاسب أحد على على ما فعله حين سافر إليه، ولن تضاف إلى ميزان أعمالهم حسنات أو سيئات. وخلقت هذه الحالة صورة وهمية توحي بأن المكان خالٍ من العقد والتزمّت المتجذرين في دول الجوار. ولأن الكراهية والطائفية والعنصرية عادة ما تتبدد أمام اللون هائل الجمال للدولار، خُدع هؤلاء أثناء زياراتهم لبيروت وضواحيها باللكنة الرقيقة واللهجة المغناج ومظهر المقاهي والبارات وقناني نبيذ كفريا والتنانير القصيرة والبناطيل الضيقة وشجر الأرز والطبيعة الخلابة ليطلقوا على البلد لقب باريس الشرق. 

إلا أن هذه التسمية جانبها الصواب نوعاً ما؛ فبيروت هي فعلاً باريس الشرق، لكنها ليست باريس القرن العشرين، وإن كانت هناك بعض عوامل الشبه مثل استخدام المصطلحات الفرنسية الدارجة والإبداع في الشتائم العامية وتهالك المرافق العامة. باريس الشرق  هي باريس عام ١٧٨٩، حين كان الفرنسيون يعانون من البطالة والفقر وأسعار السلع الأساسية والنسخ الخاصة بها من رفيق الحريري وابنه وعون وصهره ونصر الله وبري وجعجع وجنبلاط، وحين حاول هؤلاء زيادة الضرائب على أبناء الشعب المكافح، كما فرضت الحكومة اللبنانية في ٢٠١٩ ضريبة على مكالمات واتساب. وفي رأينا أنه - وكما اقتحم الشعب الفرنسي سجن الباستيل - سيأتي يوم يقتحم اللبنانيين فيه معقل كبار الفسدة المجرمين في لبنان، وهو السراي الحكومي. وإليك أيها القارئ بعض الأدلة:

المقصلة كحل سياسي أخير: جرب اللبنانيون جميع الحلول لأزمة الدولة المتمثلة بشلّة الأنس الحاكمة الحريصة على عدم وجود دولة، بدءاً من الهجرة مروراً بالانتخابات والمظاهرات الحاشدة والهجرة و"طلعت ريحتكن" و"هيلا هو" و"كلن يعني كلن" وليس انتهاءً بالموت الجماعي، ولم تلح أمامهم أي مؤشرات توحي انفراج ولو بسيط. لذا، بعد استهلاك جميع الحلول، لن يكون أمامهم سوى دحرجة الرؤوس التي أينعت وحان قطافها بمقصلة في حدها الحد بين الجد واللعب.

فليأكلوا الكرواسان: يشكل استهتار الطبقة الحاكمة بمعاناة عامة الشعب أحد أهم العوامل التي تجعل لبنان توأم باريس عام ١٧٨٩؛ فهي قادرة على التمتع  بملذات الحياة كالخبز والكهرباء والماء وعارضات الأزياء اللواتي يكلفن ملايين الدولارات وحفلات الزفاف والتيكيلا لجو وتهريب الأموال إلى حساباتهم البنكية في سويسرا، وعلى الأغلب أنهم لا يحتاجون إلى الوقوف لساعات في طوابير البنزين ليتمكنوا من التنقل من قصورهم في بيروت وخارجها. لعل أكبر مصائبهم تتمثل بشوق ميقاتي الذهاب للعشاء في المطعم دون أن ينغص عليه الرعاع أمثالنا سهرته.

الغضب الساطع آت: من سوء حظ الشعب اللبناني أن حكامه يحملون مفاسد زملائهم حكام المنطقة، دون أن يتحلوا بأبسط الإيجابيات مثل توفير البترول - قدرت وزارة الطاقة اللبنانية وجود ٦٦٠ مليون برميل من النفط - أو الغاز - قدرت وزارة الطاقة اللبنانية وجود ٣٠ تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي - أو توفير الكهرباء أو الماء أو أو الطعام أو الأدوية أو حليب الأطفال أو البنوك التي لا تنهب المدخرات أو عدم انفجار خزانات الوقود أو عدم انفجار المدن دون مقدمات.

شعورك تجاه المقال؟