تقرير

إشكالية العدالة.. ما الجدوى من إلحاح الشعوب العربية على تحقيقها قبل الحياة الآخرة؟

نبيه الطُّمبر، مراسل الحدود لشؤون فلسفة التنظير الثوري التشعيبي الموضوعي

صورة إشكالية العدالة.. ما الجدوى من إلحاح الشعوب العربية على تحقيقها قبل الحياة الآخرة؟

كلما فُقأت عينا طفل أو اغتيل ناشط أو ذُبحت زوجة بسكين المطبخ أو نُشِر صحفي. كلما انفجر مرفأ أو قُصفت منازل ثمّ قصف المستشفى الذي يضم جرحى انفجار المنازل، ثم سُرقت ثورة الناجين من القصفين. كلما احترق مستشفى وتفحّم المرضى فيه. وكلما دقّ الكوز بالجرة، تعج الشوارع العربية بمتظاهرين يُطالبون بما يُسمى "العدالة" حتى بات المصطلح سيمفونية كلاسيكية نُدندنها باستمتاع دون معرفة معانيها، خاصة وأنّنا لم نختبرها من قبل.

ما يزيد الأمر سوءاً هو الإصرار على تحقيق تلك "العدالة" الآن، هنا -على الأرض هذه- ما ينقلنا إلى مستوى جديد من الأزمة يتجلى في نشوء وعي جمعي يحاول تحقيق الأشياء في الحياة الدنيا، متجاهلاً أنّ الآخرة تتضمن العدالة والقصاص والنعيم والماء والكهرباء والإنترنت السريع وغيرها من الخدمات التي لن تتوفر في البقعة هذه من الأرض.

ويشكل تنامي الظاهرة تلك خطورة على استقرار المجتمعات؛ ذلك أنّ التخلّي عن المعنى الميتافيزيقي- المُطلق والمريح- لمفهوم "العدالة"واستبدالها بمعانٍ دنيوية يفتح الباب أمام نسبية المفهوم بحد ذاته؛ فالعدالة من منظور آلاف اللبنانيين الذين سُرقت تحويشة عمرهم من المصارف تتمثّل في إعادة دولاراتهم لهم، لكنّها عدالة نفعية مبنية على رغبة المظلومين بالحصول على حقوقهم، دون مراعاة لمنظور أصحاب المصارف للحق والباطل والعدل والظلم. 

كما أنّ السعي المَرضي وراء تحقيق المنظور الضيق-الشخصي للعدالة غير عقلاني وينطوي على حسّ انتقامي. ها نحن نرى عائلات ضحايا انفجار بيروت يطالبون بالعدالة ومحاكمة المسؤولين؛ لنفرض أنّ أحداً سيسمع مطالبهم، أين العدالة في ذلك؟ لن يُعيد القصاص أبناءهم من الموت، لكنّه حتماً سيُنغّص عيشة الأحياء من المسؤولين اللبنانيين، الذين سينغصون بدورهم عيشة الأحياء من أهالي الضحايا وبقية المواطنين، وهكذا، عوض الحفاظ على بعض المكاسب لبعض الأحياء، يخسر الجميع أحياءً وأموات.   

إنّ التمعّن في فكرة المطالبة من منظور فلسفي يفضح انطواءها على مغالطة منطقية. فإن عرّفنا العدالة على أنّها "عكس الظلم"؛ فهذا يعني أنّ المطالبة بإنهاء الظلم تعدّ ببساطة مطالبة باندثار العدالة أيضاً، لأنّه مفهومٌ يُعرف بنقيضه، والمطالبة بالقضاء على الظلم يعني مطالبة بالقضاء على العدالة. لذا، يتوجب على الشعوب العربية -إن كانت ترغب حقاً بالإبقاء على العدالة- أن تطالب بالإبقاء على الظلم.

شعورك تجاه المقال؟