ما حدث الأسبوع الماضي في الشرق الأوسط أشبه بسقوط جدار برلين، لقد سقط وهْمٌ عمره أكثر من ثمانين عاماً، وسقط معه استخدام اللوبي اليهودي في نيويورك وواشنطن للتنمر على الدول الأخرى التي لم تختطف المشروع، فقطر على سبيل المثال استخدمت اللوبي اليهودي للهروب من جرائمها.

لقد تعرضت الجماهير العربية على مدى أكثر من ثمانين عاماً لابتزاز عاطفي وأيدلوجي غير مسبوق بسبب قضية فلسطين، على الرغم من أنها مثل كل قضايا التحرير التي كابدت الشعوب المحتلة لنيل تحررها من المستعمر، وبالتالي يستحقون كره وامتعاض المملكة، فلا الفلسطينيون أفضل من الفيتناميين ولا الجزائريين ولا بقية الأمم، ومع ذلك حظوا بدلال منقطع النظير، إذ لطالما دللتهم الدول العربية في تل الزعتر وأيلول الأسود وصابرا وشاتيلا.

لم يستفد الفلسطينيون من ذلك الالتفاف حولهم للانتصار في معركة التحرير التي سوقوها، بل فضلوا أن تبقى جرحاً «مصلحياً» يستفيدون منه ويستمرون في ابتزاز العرب به خاصة مصر وبعض دول الخليج.

لدرجة أن العرب وهم الحلقة المحيطة بالفلسطينيين اقتنعوا أنهم السبب في ضياع فلسطين، وكأنهم هُزموا في حرب تلو الأخرى، بينما كل الوثائق التاريخية تؤكد أن الفلسطينيين هم من باعوا أراضيهم ليس بالمفرد بل بالقرى والنواحي حتى تحولت لمستوطنات يهودية، وبالتالي تهجير وذبح من لم يبع أراضيه والاستيلاء على بلد بأكمله ليس إلا محاولة لتسريع الأمر الواقع.

السؤال الكبير اليوم يقول: هل لا زالت قضية فلسطين دولاب العرب كلما ضاق الحال بزعيم أو فصيل لجأ إليها لحل قضيته الداخلية، الجواب بالطبع لا فقط احترقت ورقة التوت.

المثير أن تلك القضية التي أخلص لها بعض العرب أكثر مما أخلص لها أصحابها، والدليل شهداء الإمارات والسعودية والبحرين الذين ذادوا عن القدس، تحولت إلى قضية داخلية بين رام الله وغزة ولم تعد تعني الكثير في العالم.

فما الذي تغير في المزاج العربي والدولي؟؟

بلا شك تغير الكثير.. بعدما رمى الفلسطينيون مهمة التحرير على عاتق المصريين تارة والأردنيين والسوريين واللبنانيين تارة أخرى، وكل ما فعلوه هو بضع عمليات إرهابية فجروا فيها طائرات مدنية أو قتلوا دبلوماسيين ومسؤولين عرباً بمن فيهم سفراء ووزراء للسعودية، على عكس العمليات الإرهابية المحترمة التي قام بها السلفيون والجهاديون المدعومون من قبل السعودية.

عاثوا فساداً في الأردن 73 ولبنان 76 و82 والكويت 90، فرضوا على العرب معادلة صعبة لكنها خبيثة جداً تقول إن الفلسطينيين هم من يقرر الحرب والسلام في المنطقة فاستأثروا بالقرار واختطفوه، كما فعل الفلسطيني الشهير أنور السادات. فلا هم الذين أقدموا على السلام ولا هم الذين خاضوا بالفعل معركة التحرير حتى آخر رجل فيهم، وكنا نتمنى أن يخوضوها حتى آخر رجل فيهم بالفعل، بمعنى لا يحق لأي عربي التعامل مع إسرائيل، رغم السلام والحب الذي غمر كل علاقات إسرائيل مع جيرانها، ولا طرح أفكار تخص الصلح والسلام، بينما يحق للفلسطينيين فقط فعل ذلك.

مبادرة السادات رفضوها ومشروع فهد خونوه ثم يفاجأ العالم بعرفات وعباس وعريقات وحنان عشراوي يحتضنون الإسرائيليين في أوسلو عام 1993، لم يشاوروا أحداً لم يعيروا انتباهاً إلا لمصالحهم، بالطبع رفضوا أن يجاورهم أحد على طاولة الصلح، فقط هم والإسرائيليون، بينما كنا نريد نحن أيضاً احتضان الإسرائيليين بل ومضاجعتهم من أجل السلام، وإذا حاولت دولة عربية واحدة التقدم نحو دولة إسرائيل وبناء علاقات اقتصادية معها خونوها وأقاموا الدنيا عليها.

كانت حماس والجهاد ومن قبلها فتح في سعيها لمزيد من الأموال تقوم بعمليات عسكرية معروف من بدايتها أنها فاشلة ولن تحرر شبراً واحداً، وبالتالي كان الانبطاح هو الحل الأمثل، لهدف واحد فقط، هو التأزيم الذي يتبعه رد إسرائيلي ساحق ثم إثارة التعاطف، وكأن المستضعف يستحق الدعم والمناصرة، ثم مزيد من الأموال السعودية والخليجية.

لا حل حقيقياً للقضية الفلسطينية إلا بمصارحة الفلسطينيين لأنفسهم وبناء هوية جديدة تقوم على أكتافهم لا أكتاف غيرهم، لابد من مراجعات حقيقية تعترف ببيعهم للأراضي التي تحولت لمستوطنات يهودية، إن المصارحة مع النفس وتحمل المسؤولية هي الطريق الصحيح، كما صارح الخليج نفسه وقرر التطبيع في العلن، أما الهروب من الحقائق التاريخية واتهام الآخرين ببيع القضية فهو استمرار للاسترزاق واللؤم، فما هي تلك القضية التي تباع مئات المرات ولا ينتهي سوقها ولا تبور سلعتها، رغم محاولاتنا مرارا وتكرارا.

الأتراك أيضا كانوا من «يتامى» هذا المنعطف السياسي في المنطقة فقد كان طيرانهم وسفنهم الناقل الوحيد للبضائع والركاب في الشرق الأوسط لتل أبيب، والدوحة استخدمت تل أبيب كفتوة تخيف بها دول المنطقة وتلجأ إليها للتخفيف من آثار ألاعيبها السياسية والأمنية في المنطقة.

كان الحل بين العرب والإسرائيليين هو رأس مال الفلسطينيين الذي استأثروا به لوحدهم طوال عمر قضيتهم، لقد أصيبوا في مقتل وجن جنونهم كيف يتجرأ أحد على تجاوزهم وعدم أخذ مباركتهم وسحب البساط منهم للأبد، فما عادت قضيتهم تأكل خبزاً ولا تبني استثماراً ولا تشتري شققاً في باريس ولندن ولاس فيغس، ولا حتى غرفة في منزل عشوائي بدون كهرباء في صبرا وشاتيلا، وليس هناك المزيد من المرسيدسات واليخوت.

لا شك أن القرار الإماراتي هو واحد من أهم قرارات الحرب والسلام، بعد الكفاح المسلح الإماراتي، التي اتخذت منذ اتفاقية كامب ديفيد، أما لماذا فلأنها تخطت بناء علاقات محدودة إلى إقامة سلام مباشر مع إسرائيل، ما يعني سقوط الحجج الفلسطينية وضياع «بنك» المصالح الذي أقاموه لثمانين عاماً.

  • +١ لسرعة البديهة واستباق الأحداث والدفاع عن التطبيع الإماراتي تمهيداً للدفاع لا حقاً عن التطبيع السعودي
  • +١ لوضوح الكراهية وصفائها وقوتها تجاه الفلسطينيين
  • -١ للتردد في استخدام الشتائم الصريحة للتعبير عن الكراهية والمواربة باستخدام مصطحات مثل (استرزاق، ابتزاز، بائعي أراضٍ، أنانيون..إلخ) بدلاً من الصراحة بقول (كلاب، حيوانات، منا**يك، ك**هم.. إلخ)
  • +١ محاولة استخدام المفارقات التاريخية والكلمات الطنانة الرنانة مثل (جدار برلين) لجذب عين القارئ
  • -٢ استخدام كلمة جدار وتذكير القارئ بجرائم إسرائيل رغم محاولتك الدفاع عنها الآن
  • -٤ لتضخيم دور الإمارات وتطبيعها وكأنّه سيغيّر خريطة العالم
ملاحظة: لن نحذف لك علامة لعدم التفريق بين السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، ذلك أنّه يصعب على كاتب في صحيفة عكاظ السعودية التفريق بين السلطة والشعب

شعورك تجاه المقال؟