تقرير

أهم خمس محطات يمر بها المواطن اللبناني خلال حياته ليجدها فارغة

محسن إرعشلي، مراسل الحدود من الطابور الخامس

صورة أهم خمس محطات يمر بها المواطن اللبناني خلال حياته ليجدها فارغة

في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، نقف أمام مشهد المواطن اللبناني المصطف بطوابير أمام المصالح التجارية ومقدمي الخدمات بانتظار الفرج لساعات طويلة، محارباً لهيب الشمس والملل والرصاص الطائش المتراشق أمامه - أو عليه - إثر المشاكل على الدور، حيث يصطف اللبنانيون واحداً تلو الآخر، مُشكلين بأجسادهم سلسلة بشرية تعبر أقطار الدولة والمنشآت بخطوات صغيرة وأنصاف خطوات؛ فتلتصق مقدمة المواطن بمؤخرة المواطن الذي أمامه والذي تلتصق مقدمته بمؤخرة مواطن آخر، وتتراص الأكتاف وكأنها خط دبكة يبدأ من طرابلس وينتهي بالنبطية. 

الكل يمشي ككتلة لحمية واحدة متراصة بحثاً عن الأشياء، ليصبح الطابور منهجاً للحياة وإسقاطاً لشكلها الحالي. يتماهى الواقع مع هلوسات ضربة الشمس ويُعاد شريط حياة اللبناني أمام عينيه، ليمر ببطء أمام محطات حياته، واحدة تلو الأُخرى، ويجدها فارغة خاوية. فما هي تلك المحطات التي يمر بها اللبناني خلال حياته؟

محل الصرافة

فور طلوع الشمس، يحجز اللبناني مكانه في الطابور الطويل وتبدأ رحلته من باب البنك آملاً أن يتكرّم عليه ويقبل بتصريف أمواله - إن كانت موجودة -  وأن يكون محظوطاً كفاية ويخصم البنك مبلغ أقل من ذاك الذي خصمه في آخر مرة. يمنحه البنك حفنة من الليرات ويقذفه إلى محل صرافة عملات ليحول ما يملك إلى الدولار، حيث يتكبّد خسائر كبيرة، لئلا يتكبّد خسائر أكبر إذا انتظر ساعة وتهاوى سعر الصرف أكثر وتدحرج نحو الفراغ خلف الكاونتر الذي يمتصه. 

الصيدلية

يحمل اللبناني دولاراته ويهرول إلى محطة الصيدلة على رأس الشارع ليشتري مسكنات ألم وحليب بودرة وبضع حفاضات على أمل أن يعيش بخراء أقل قليلاً. يهندس وقفته بالطابور حيث يمر بجانب ممر مستلزماته ليأخذها دون الحاجة لمغادرة طابور الدفع والبدء من جديد. يكتشف عند وصوله أنّ الرفوف فارغة ولا يوجد في الصيدلية إلا واقيات ذكرية لأن الشعب اكتفى من المضاجعة ولم يعد قادراً على ممارستها. 

الصيدلية التالية 

فراغ المحطة الأولى لن يقف عائقاً أمام اللبناني الذي عاش حياته كاملةً في فراغ يُدعى الدولة، لذا، يباشر رحلة ذهابه إلى الصيدلية الفارغة الواقعة بجانب الصيدلية الفارغة الأولى، ويزاحم الجميع ليأخذ آخر ما تبقى على الرفوف ويتجه إلى المحاسب ليسدد ثمن المواد. خلال عملية الدفع يتشكّل لديه فراغ في جيبه وخرقاً في محفظته يتلمسه بحذر بعد ملاحظته أنّ ثلاثة أرباع ما حصّله من المحطة الأولى - المبلغ الذي من المفترض أن يكفيه شهراً كاملاً - صُرِف خلال بضع دقائق على شيء لا يذكر من المواد.

محطة الوقود

يحمل اللبناني كيس الصيدلية الخفيف ويتجّه إلى طابور محطة الوقود، لا لتعبئة سيارته، فهو لا يملك واحدة بعد بيعها عندما تحولت حياته إلى زحف مستمر في المدينة، بل ليملأ قارورة فارغة بالكاز أو السولار تمهيداً لحرق نفسه، لعل عائلته تستفيد من جسده المشتعل في إنارة المنزل لحظياً. ومن غير المفاجئ أن يجد آبار المحطة فارغة، تماماً مثل صبره وإرادته في العيش.

التابوت

بعد عُمرٍ أفناه بالمحطات، نجا فيه من تلوث الهواء والماء وتسمم الطعام وانفجار العاصمة ومحاولات حرق نفسه، يصل اللبناني إلى محطة الموت بجلطة. يوضع في تابوت تمهيداً لدفنه، وبهذا يملأ جثمانه فراغ التابوت وفراغ القبر، لتكون هذه المحطة الوحيدة في حياته التي تحوي شيئاً وذات معنى.

شعورك تجاه المقال؟