Skip to content

أُنتج هذا المقال في القبو الذي نحتجز فيه الأعضاء الأعزاء لبرنامج زمالة الحدود

شاب يتمهل حتى الانتهاء من الفقرة الأولى للفصل الأول في كتابه الأول ليسمي نفسه كاتباً

تقرير معاذ شطّة – الناقد الفنّي والأدبي في شبكة الحدود

تروَّى الشاب سعيد لُعلاب قبل أن يُضيف لقب “كاتب” قبل اسمه في سيرته الذاتية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ويُنشأ صفحةً للمعجبين بإبداعاته الأدبيَّة الفكرية حتى أنهى المسوَّدة الأولى للفصل الأول من كتابه الأول مُكللاً بذلك مسيرته الأدبيَّة التي بدأها مساء البارحة.

يُشير سعيد إلى أن المشهد الأدبي يدفع ضريبة الإنترنت وعصر الاستعجال الذي نعيشه في كل تفصيلٍ من تفاصيل حياتنا “ولهذا صار مخزياً مبتذلاً مكتظاً بكتبة خواطر ومرتزقة لايكات على فيسبوك وإنستاغرام يعدّون أنفسهم كُتَّاباً. لكن أنا، سعيد لعلاب، تصديتُ لهذه الظاهرة على طريقتي، وجلستُ ساعتين ونصف كتبت خلالها أربع صفحات وانهيتُ المسودة الأولى من روايتي، والعالم أجمع على موعد لمعرفة الأدب الحقيقي خلال الربع ساعة المقبلة؛ حين أُنهي إعداد صفحة المعجبين الخاصة بالكاتب والأديب سعيد لعلاب وأنشر الفصل الأول كاملاً في مقتطفات مليئةٍ بالجُمل الخالدة”.

وينوي سعيد أخذ استراحةٍ من العمل يفرد فيها مساحةً للتأمل واختمار الأفكار وأحداث الفصول المقبلة من الرواية في لاوعيه، إضافةً لتأليف عنوان لها، وتصميم الغلاف “جمعتُ لوحات كبار الفنانين من الإنترنت، وأعكفُ الآن على تأملها لأجد لوحةً تليق بكتابي وتعكس روحه. اخترت للغلاف الخلفي صورتي مُسنداً رأسي على راحة كفي والسيجارة تتدلى من فمي وأنا أحدقُ في الفراغ ذاهلاً من حجم الخلل الذي أصاب حياتنا. وأعددتُ لنفسي تعريفاً مختصراً، كما جهزتُ البدلة التي سأرتديها في حفل استلام الجوائز التي سأحصدها فور إصداره”.

يثق سعيد بأن كتابه سيكون درةً من درر أدب القرن الحادي والعشرين، وسيُحدث ثورةً فكرية في عالم الأدب الضحل “وأنا على ثقةٍ من تهافت الناشرين للتعاقد معي فور استلامهم المسوَّدة الأولى التي سأطبعها على ورقٍ فاخر وأرسلها في ظرفٍ أنيق، وأرفقها مع بطاقة بلون الكريم، مدونة برقم هاتفي الخلوي أثناء ساعات العمل، ويزينها اسمي بخطٍ كلاسيكي أنيق باللون الذهبي”.

وقعت على الأرض ضحكاً
ضحكت دون أن أقع على الأرض
مؤلم
إبداع
تجاوزت الحدود
غبي
المذكور أعلاه

image_post

شريف زلابيط- سجين خلف قضبان الزنزانة التي يحرسها كُ.أُ، عريف الصف سابقاً 

حيوان المعلّم المدللّ، متصيّد الأخطاء وقنّاص الأحاديث الجانبية، مَن يضع يديه على الطاولة ويرمق الطلبة بامتعاض كأنّ أحدهم دهس والده وسرق محفظته وهرب، صاحب الزيّ المدرسيّ المرتّب الذي لا تشوبه انثناءة، مالك التصريح الحصري للخروج من المدرسة كي يجلب شطيرة فلافل أو كوب قهوة للمعلّم، لغز الأطبّاء النفسيين، وهادم ملذّات الطلبة في استراحة ما بين الحصص. لا يتسلّح بالقلم ولا بالمسدس؛ إنما بإصبع الطبشور، الإصبع الذي كان يُمسكه كأنه يمسك بندقية أو يُمسك بزمام الأمور، إنه عنكبوت الكهوف الذي يوقعك في شِباكه، مَن يرتدي حول عينيه نظارة سميكة ترفع من قدرته على رؤية الأفكار التي تدور في بواطنك، ملك السيطرة، مَن تنتهي أهميته بعودة الأستاذ من التبول أو تدخين سيجارة؛ إنه عريف الصف. 

أين هو الآن؟ ماذا يفعل بحياته؟ بمَن يفعل ما يفعله؟ وكيف تدبّر أمره دون وجود طلاب يشي بهم؟ لعلها أسئلة تدور في ذهنك كما دارت في ذهن رئيس تحرير الحدود، الذي كان ضحية للعريف وانهالت على يده مئات العصيّ الطائشة خلال حياته المدرسية لمجرد رفضه مشاركة كُ.أُ. شطيرته ذات يوم. 

وكما قرّر كُ.أُ. في الزمن الماضي تدوين اسمه على السبّورة بالبنط العريض، دوّن أبو صطيف اسم عريف صفّه في الاجتماع التحريري مُرفقاً بالتساؤلات السابقة، وفرّغ خمسة من زملائنا الأكفياء لمعرفة مصيره، حتى وجده زميلنا زلابيط في سجن العاصمة، حارساً وفياً شغوفاً لأحد السجون، واضطر للمكوث هناك للتحرّي عنه، حيث مرّر لنا الإجابات بحذاقة عقب إنهاء كُ.أُ مناوبته التاسعة على التوالي؛ فهو يعشق وظيفته لقضائه وقتاً ممتعاً في ترويع المساجين الآمنين والاستحواذ على أنفاسهم. 

يقول زلابيط في الرسالة التي كتبها على مناديل التواليت بالحبر السرّي إن حياته لا تطاق “عزيزي أبو صطيف، الله لا يعطيك العافية، لو أنّك أرسلتني إلى الجحيم لكان أرحم لي. إليك المعلومات التي طلبتها؛ عندما أنهى كُ.أُ عمله جاسوساً في الصف، التحق بالكليّة العسكرية ووشى بجميع زملائه العساكر، ولعق أحذية أصحاب القرار في الكلية حتى انطبعت بصمة لسانه عليها؛ فتوّجوه حارساً على السجن فور تخرجه. لقد أخذ تطوّره المسار الطبيعي؛ مِن كلب للمعلّم، إلى كلب للسلطة، ومن طبشورة في اليد إلى عصاة ومسدّس في الخاصرة، ومن سبّورة تُمحى، إلى دفتر يذهب مباشرة إلى مدير السجن”.

زلابيط عانى الأمرّين كما ورد في رسالته “عندما رأيته أوّل مرة، أخبرته أنني من طرف أبو صطيف فابتهج كثيراً، وكانت هديّته لي هي شبحي على قضبان السجن وتعليم عصاه على أجنابي. ليس في السجن كله رجل قادر أن يتمشّى في زنزانته أثناء مناوبات كُ.أُ التي لا تنتهي إلا حين يأتي مدير السجن، ليجلس كالأرنب كما كان يجلس في الصف حين يسمع وقع خطوات المعلّم”. 

وتابع زلابيط “إن رأى أحداً يمشي فإنه يدخل ويحطّم عظامه متّهما إياه بالمشي ناحية منزله ليتحرش بأخته. إننا نمشي في خيالنا فقط وإذا أردنا المشي على أرضية الزنزانة مشينا على أيدينا حتى لا يسمع كُ.أُ وقع خطواتنا ويحولّها إلى خطوات واسعة للغاية. وفي واحدة من المرّات أكلت الوسادة لأنه حرمني من الطعام والشراب بعد أن سمعني أسعل لإصابتي بكورونا وهددني بتحويل الحمّام من تنكة إلى علبة حمّص فارغة إذا لم أشفَ من المرض فوراً. أما إذا أردت إصدار صوت لعمليات حيوية أو ما شابه؛ فقد كنت أقتنص فرصة تعذيبه شخصاً آخر في زنزانة أخرى وأتصرّف على طبيعتي كإنسان لعدّة ثوانٍ قبل أن يعود ويعيدني إلى دمية في يده”.   

وذيّل زلابيط رسالته ببيان الاستقالة “أستودع الله زملائي الأعزّاء، خصوصاً بعد اكتشافي أن الحارس الجديد الذي سيوظّفه السجن هو كُ.أُ.أُ، عريف صفّي سابقاً، الذي كان يرفع بنطاله حتى حلقه ويمشّط شعره على الطريقة الهتلرية. لا أمل لي في البقاء، قضيت حياة مدرسية مدمّرة بسبب ك.أ.أ وها أنا ذا سأذوق الأزفت والأسوأ على يديه في السجن. أيامي معدودة، وأتمنى أن تتاح لي فرصة واحدة لأن أحلم كما أشاء عندما أنام، دون أن تتخدّر مؤخّرتي من عصيّه إذا شكّ أن أحلامي قد تتعارض مع فكرته عن الانضباط، دعواتكم. وإلى اللقاء”. 

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

Image

Loading ... Loading ...

منوعات

إقرأ مقالًا عشوائيًا

image_post

حسيبة الحمالالي – مراسلة الحدود لشؤون الفتوجينيك

فور خروجه من دائرة الأحوال المدنية، توجه الشابُ سامر حويرنة إلى حاوية نفايات وألقى هويته الشخصية الجديدة فيها، قبل أن يعود أدراجه لتعبئة نموذج إصدار هوية جديدة بدل المفقودة، أملاً بأن يحالفه الحظ هذه المرة ويحصل على هوية بصورة شخصية أقل إثارة للحرج من صورته في الهوية الملقاة بالقمامة.

وكان سامر قد قص شعره واستحم وحلق لحيته ورطّب شفتيه ورشّ العطر وارتدى أجمل قميص، دون أن ينسى أخذ فرشاة الشعر لينسقه مجدداً قبيل التقاط الصورة، خشية أن تظهر صورته في الهوية الجديدة كتلك التي ظهر فيها ذاهلاً مرهقاً بشعر أشعث في الهوية التي استصدرها قبل عشر سنوات، آنذاك، رفض الموظف استلام صورته الشخصية اللائقة لأن وزارة الداخلية اكتشفت موهبة موظفيها بالتصوير الفوري. والآن، حين جاء الوقت ليأخذ الصورة الجديدة، وقبل أن ينهي موضعة ملامح وجهه لتظهر كما تدرب عليه أمام المرآة بنظرة ذكية وابتسامة رقيقة تظهر حقيقته بأجزاء من الثانية، فوجئ بالموظف يمدّ له الهوية الجديدة.

يأمل سامر أن تظهر صورته في الهوية الجديدة أفضل من سابقتها، إلا أن للحكومة رأي مختلف “صورة الهوية لا علاقة لها بالشخص أو بالشكل واللباس “يقول بهاء شعناب الموظف المسؤول عن التقاط الصورة، ويضيف “تعمل وزارة الداخلية على ترسيخ مفاهيم العدالة والمساواة في اللاوعي الجمعي، والرد على تعليقات من يتهمونها بالمحاباة والواسطة، وذلك بسياسة الكل أمام كاميرات الأحوال المدنية سواسية. صورة الهوية الشخصية لها تبعات مجتمعية وأمنية أكبر من سامر ومشاعره، ومن مصلحته ومصلحة بقية المواطنين العاديين تقليص توقعاتهم عن أنفسهم، وعدم إعطائها قيمة واحتراماً أكثر مما تستحق، فيصدقون أن لهم الحق بمطالبة الحكومة بشيء من الاحترام الذي لن يحصلوا عليه”. 

وأوضح بهاء أن تحقيق الحكومة لأهدافها من إصدار هويات شخصية بصور محرجة للمواطنين، لا يتنافى مع وجود مآرب أخرى لها “في كل مرة تصدف أن يشاهد فيها ذوو سامر أو أصدقائه أو حبيبته أو موظف البنك هويته، ترتسم الابتسامة على وجوههم، وقد تنطلق ضحكة في إحدى المرات، وبإمكانه أن يبادلهم الابتسام والضحك على هوياتهم الشخصية أيضاً، نعم، نريد مجتمعاً فرحاً دائم الابتسام، ونريد أيضاً أن يشارك بالضحك شرطة السير وموظفونا في سائر الدوائر الحكومية تعزيزاً لرؤيتنا ببيئة عملٍ حكومي مرحة وخدمة الجمهور بابتسامة”.