تحقيقات الحدود

ما الذي فعله حرف ال١ال ليضعوه بعيداً به١ا الشكل بجانب أرقام لوحة المفاتيح؟

صورة ما الذي فعله حرف ال١ال ليضعوه بعيداً به١ا الشكل بجانب أرقام لوحة المفاتيح؟

من مِنّا لم يسأل نفسه عن سبب رمي حرف ال١ا في زاوية مُهملة من لوحة المفاتيح وكأنّه مجرد رقم تافه؟ لا حرفاً كاملاً مُكملاً وكياناً مُستقلاً شأنه شأن بقية الحروف؟ ما الذي فعله؟ وما ال١ي فعلته الشدّة؟ الشدّة التي تُعتبر حرفاً ب١اتها، الشد!ة التي كانت معلمة اللغة العربية تخصم علامة كاملة لمن ينساها في الامتحان. 

لو علم كريستوفر شول أنّ اختراعه للوحة المفاتيح في القرن التاسع عشر سيتسبّب بواحدة من أكبر مآسي القرن الحديث لدى اعتماده باللغة العربية، ويصبح وسيلة لإقصاء حرف الذال والشدّة التي تعلوه ومجالاً للغلط عند طباعتهما، لترك البشرية تكتب تاريخها ومقالاتها وهُراءها على الورق، أو كفّر عن أخطائه كما فعل نوبل حين اخترع الديناميت، وتبرّع بأمواله لخدمة الحروف.

ولأننا في الحدود نرفض كافة أشكال الظلم أياً كانت الضحية، ولأنه لا أحد سوانا يطرح مواضيع كهذه على طاولة النقاش، ويمتلك الجرأة للحديث عنها، كان من واجبنا أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال، ومعرفة ما إن كان حرف الذال بريئاً أم أنَّه يستحق التصرف معه بهذه الطريقة.

التاريخ يكتبه المنتصرون

لم تشر أبحاثنا إلى إقدام حرف الذال على أي فعل خادش لحياء اللغة العربية، الحقيقة أن!َ الذنب ليس ١نبه ولا ال١نب ذنب كريستوفر شول؛ إذ يعتقد خبراء اللسانيات أنّ مأساة ه١ا الحرف المسكين بدأت من بواكير ظهور اللهجات العربية التي تجاهلت وجوده تماماً، وصار أهل الشام يقولون “إزا” بدل “إذا” و”دُرةْ” بدلاً من “ذُرة”، ومع مرور الوقت بات الرئيس ينادى بالـ “دكر” وليس الـ “ذكر”، والأدهى من ١لك أنّ نطق حرف ال١ال يُعبّر أحياناً عن مشكلة بالنطق؛ كأن يسأل مصري “اذيّك؟” عوض “إزيّك؟”، وحتى حين حافظ الشعراء العرب على قيمة حرف ال١ال وكتبوا قصائدهم باللغة الفصحى، استمرّت أم كلثوم في الغناء “هزه ليلتي” بدلاً من “ه١ه ليلتي”.

وقد بقي لغز تجاهل حرف الذال مفتوحاً على كافة الاحتمالات حتّى يومنا هذا، إلّا أنّ السيناريو الأقرب إلى المنطق يُرجّح أنّ المسألة مجرد صراع بقاء بين الحروف خسر به حرف الذال بكل بساطة، ولأنّه خسر فسيستمر بالخسارة إلى الأبد وكانت النتيجة الحتمية أن يُرمى في لوحة المفاتيح إلى جانب الحروف، كما رُمي في اللهجة المحكية دون أن يستطيع الدفاع عن نفسه.

إهمال وعشوائية

يميل بعض الخبراء إلى ترجيح سيناريو مختلف تماماً، يُشير إلى أنّ بني البشر في القرن التاسع عشر كانوا مأخوذين باختراعاتهم وإنجازاتهم وعلى رأسها لوحة المفاتيح، ما دفعهم إلى رمي الحروف على عجل دون توزيع عادل لأماكنها؛ فأبعدوا التاء عن الثاء والراء عن الزين. ولا ينفي هذا السيناريو أنّ حرف الذال كان أكثر الحروف تضرراً من تلك العشوائية والهمجية، وقد برّر بعض المتنفِّذين هذا الفعل الأهوج بعدم وجود مكان في اللوحة للذال، رغم أنّ نظرة واحدة فاحصة للوحتهم العنصرية تشي بعكس ١لك؛ فنلاحظ أن!َ الهمزة وحدها تحتل ثلاثة أماكن: واحدة لها ولنبِرتها وأخرى لواوها وأخيرة للست الهمزة وحدها، كما نلاحظ انفراد الـ (لا) بحيّز لها وحدها، رغم وجود حيّز للألف وآخر للام، وكذا الأمر مع الألف المقصورة التي تحظى بمكان استراتيجي (لاحظوا كيف نجحت بكل بساطة بكتابة “تحظى” ولم أبحث طويلاً عن الألف المقصورة في اللوحة ثمّ أُهينها وأضع رقماً بالخطأ مكانها).

وهنا علينا التنويه بأنّ إلقاءنا الضوء على قضية حرف ال١ال المنسية، ودعمنا لحقه بالاحترام والمعاملة على قدم المساواة مع بقية الحروف لا يعني أنّنا نبث خطاب كراهية تجاه حرف بعينه أو نُطالب بإقصائه.

عقوبة مخففة

يرى بعض علماء اللغة أنّ الحرف مرمي هناك لأنه يستحق ذلك؛ نظراً لسماجته وتخريبه لسلاسة أي جملة يتضمنها. هذا الاتجاه قائم بشكل أساسي على العلم التجريبي؛ حيث قام ٤ متطوعون بنطق كلمة “بذور” ١٠ مرات متتالية، وكانت النتيجة أن عمّ البُصاق أرجاء المختبر. 

ولم يُفسّر أصحاب هذا الاتجاه سبب احترام حواسيب “آبل” لحرف الذال ووضعه في منتصف لوحة المفاتيح؛ هل هي مؤامرة لهدم التطوّر الوحيد الذي مرّت به اللغة العربية منذ اختراع الاسم رقم ٢٣٤ للجمل؟ أم أنهم عشوائيون أيضاً؟ تابعوا تتمّة التحقيق في وقت لاحق، حين نخطف أحد مهندسيهم ونستجوبه.

شعورك تجاه المقال؟