خبر

كم سننتظر لمعرفة نتائج التحقيق بانفجار لبنان؟ الحدود تسأل نفسها وتضبط منبّهاً لتذكيرها بعد خمسين سنة

صورة كم سننتظر لمعرفة نتائج التحقيق بانفجار لبنان؟ الحدود تسأل نفسها وتضبط منبّهاً لتذكيرها بعد خمسين سنة

ليس غريباً أن تأخذ التحقيقات في الأزمات الكبرى التي تعصف بلبنان فترات طويلة جداً للوصول إلى أي نتيجة في أي قضية؛ إذ على عكس الإشاعات والأخبار الكاذبة التي تروجها الدولة وتصدقها وحدها حول استقلالية القضاء، فإنها مخصصة لتنفيذ أجندات سياسية، ويتبع العاملون فيها لقيادات غير مستقلة موضوعة لتنفيذ أجندات سياسية، لذا، ما من قضية في لبنان يمكن للمرء أن يحلها ويصل إلى نتيجة بشكل طبيعي، وتحسم القضايا من خلال انفجار يأتي على هيئة حرب أهلية أو حرب مع إسرائيل أو مفخخة أو اغتيال أو محاولة اغتيال أو انفجار مرفأ.

مرد كل ذلك، أن لبنان مختلف في كل شيء، ويأتي تفرده بحل أي أزمة عبر الضغط عليها إلى درجة الانفجار والسقوط في أزمات أكبر تستدعي النظر بها إلى حين السقوط في ما هو أكبر منها، لأن فلسفة الدولة لضرورة الوصول إلى الاستقرار وفهمها الاستقرار بحد ذاته متميز؛ ففي الوقت الذي يرى فيه العالم الاستقرار كحالة من الهدوء التي تسمح بنمو البلد ما لم تباغته أزمة، يتمثل الاستقرار في لبنان بلحظات الصمت التي يمر بها الأفراد بعد تعرضهم لصدمة كبرى، مثل انفجار كبير أو اغتيال هائل أو عادي، هذا ما تعتبره السلطة اللبنانية استقراراً، وبعده، يعود اللغط والتوتر وتراشق الاتهامات والشتام والأحذية والعيارات النارية والقنابل لمجراه الطبيعي، فيزيد الاحتقان إلى درجة الانفجار مجدداً، لتعقبها لحظات الاستقرار من هول الصدمة، يتبعها التوتر والاحتقان وصولاً إلى انفجار جديد، وهكذا.

عشر سنوات؟ خمس عشرة سنة؟ عشرون؟ ثلاثون؟ كم سنة يمكن أن يستمر التحقيق بقضية انفجار المرفأ، لنضع نترات الأمونيوم والبواخر التي أوصلتها جانباً، نود أن نعرف كيف اشتعلت، من أشعلها؟ من أبقاها في الموقع حيث انفجرت؟ لماذا؟ هل كانت هناك نية مبيتة أم أن الأمر كان في سياق الوضاعة والبلاهة المعهودين؟ من المسؤولون الذين تجب محاسبتهم؟ هل سيحاسبون؟ لا أحد ينتظر محاسبة الفراخ وتقديمها قرباناً للتخلص من السخط الشعبي، هذه الحركات باتت قديمة، ماذا عن الرؤوس الكبيرة التي لم تزل تكبر وتتضخم حتى باتت ترى الشعب نملاً صغيراً لا يضيرها عدم عثوره على قوت يومه أو رشه بخراطيم المياه أو دعسه للتخلص منه. كان من ممكن ألا نطرح هذه الأسئلة لو أن هناك فترة زمنية محددة للانتهاء من قضية واحدة في لبنان. لن يعتب أحد وسننتظر كالشطار؛ لأنها فترة معلومة على الأقل. نود معرفتها، وعيب علينا إن سألنا مجدداً، سنتفهم أن وتيرة الأعمال لدى الإدارات اللبنانية تستدعي بين خمسة إلى سبعين ضعف الأوقات الطبيعية، ونتمنى الموت لذلك، ولكن لا حول ولا.

إن إدارات هذا البلد لا تكتفي بعدم التحرك لإنجاز أي شيء، بل هي فخورة وسعيدة بالهدوء والسكينة والراحة التي تتمتع بها، فتراها تستدعي الجهات الدولية لتنجز المهام نيابة عنها، ثم تعرقل سير أعمالها لتجعلها تستمتع بتجربة أن تكون جهة رسمية بكامل صلاحياتها وامتيازاتها ورواتبها وأبهتها، دون أن تؤدي مهامها. 

لأجل ذلك، وضعنا رسالة تذكير إلكترونية لتصلنا كل خمسين سنة على مدار ثمانية قرون، لنرى إن كان هناك تحقيق دولي حقيقي بالانفجار، ونحن بذلك نكون في قمة التفاؤل، نتمنى خلال هذه الفترة أن تكون هناك موافقة مبدئية على تحقيق دولي، وبعدها، يمكننا التفكير بموعد جديد للبدء فيه، وموعد لانتهائه، ثم موعد جديد لإعلان النتيجة، وتأجيل إعلانها، ثم إعلانها، ثم التفكير المضي قدما بالإجراءات بناءً عليها.

أما إن كان التحقيق داخلياً، فسنغض الطرف عن الموضوع، لمعرفتنا أن التحقيق الداخلي الجيد يستدعي الاستمرار بالتحقيق إلى المالانهاية قبل توجيه الاتهامات، وليس كما يفعل المتظاهرون في الشوارع بالحكم على جميع القيادات وقذفهم بالشتائم، يتهمون عون ويشنقون صورته، عون، بيّ الكل، الرئيس الذي لا دخل له، الصوري عديم المسؤولية فعلاً، يتهمون نصر الله الذي قال إنه لا يعرف شيئاً عن مرفأ بيروت، يتهمون المسكين الحريري الذي تكسر بيته ويطالبون بمساءلته وهو يمر بهذه المحنة، يتهمون نبيه بري الذي لا يغادر مجلس النواب، وجعجع الذي استقال جميع نوابه، هل يمكن أن يفعل ذلك بنفسه؟ إن هذه الخيوط المتشابكة، والتي ستزيد تشابكاً خلال الأيام المقبلة، ليس بالإمكان فكها في يوم وليلة أو قرنين من الزمن.

هناك سبب آخر يدفعنا لغض النظر إن جاء قرار بإجراء التحقيق داخلياً؛ فهناك طابور من القضايا والأزمات ما زالت تنتظر أن يحين دورها: جرائم الحرب الأهلية التي لم يفكر أحد بعد بالنظر فيها، عن الليرة وانهيار الاقتصاد، الوقود المغشوش، تخزين الوقود المدعوم، فضلاً عن الأزمات التراثية مثل الكهرباء والنفايات، إن انتظار التحقيق فيها يستدعي أن نسأل كم أبداً يجب أن نحيا لنصل إلى نتيجة، وساعتئذ، يكون الحكم والعدالة قد سقطا بالتقادم.

شعورك تجاه المقال؟