تقرير

أهم ثلاث دلالات عميقة لم تفُتْكَ أنت أو غيرك من أول صلاة جمعة في آيا صوفيا حتى لو لم تشاهدها

منال قمحش، خبيرة الحدود لشؤون فكِّ الرموز المشفرة ضمن المعقول 

صورة أهم ثلاث دلالات عميقة لم تفُتْكَ أنت أو غيرك من أول صلاة جمعة في آيا صوفيا حتى لو لم تشاهدها

عقب تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد برعاية السلطان رجب طيب إردوغان، توافد آلاف المسلمين لأداء شعائر صلاة الجمعة في رحابه، بينما تسمَّر الملايين أمام شاشات التلفاز لمشاهدة البث المباشر لتلك اللحظة التاريخية، بما تمثِّله من فاتحةٍ لبلوغ المزيد من قمم المجد؛ فبعد صلاة الجمعة هناك الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء من كل يوم، ثم صلاة العيد الجمعة القادمة، ثم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء من كل يوم.

عزيزي القارئ، لا شك أنك أدركت بقلبك وعقلك هول الحدث وأنت تشاهده متلفزاً، ولكننا نخشى من أن مشاعرك الجياشة حالت دون تمعّنك في الرموز والدلالات الدينية والتاريخية، اللغوية والبصرية، التي تبشر بحلول نصر أعظم يقهر الأعداء، أو لعلك لم ترَها أساساً لأن عينيك اغرورقتا بالدموع. لذلك نقدم لك هذا التحليل الدقيق لأبرز الرسائل الدفينة في ترتيبات هذا الحدث.

التاريخ

ليست مجرد صدفة أن الجمعة المباركة من هذا العالم وافقت الرابع والعشرين من تموز، أي ذكرى معاهدة لوزان المشؤومة التي بموجبها انتهت الخلافة العثمانية الرشيدة لتصبح مجرد جمهورية علمانية صغيرة؛ فتحويل السلطان رجب الطيب إردوغان أيا صوفيا إلى مسجد، يلغي ضمنياً تلك المعاهدة بعد مرور ٩٧ عاماً على إبرامها، وبهذا الخيار يكون قد اقتدى بالحكمة من وفاة رسول الله في مثل يوم ميلاده في الثاني عشر من ربيع الأول، وهو ما اختاره الله حتى تطغى الذكرى المفرحة على المحزنة في قلوب المسلمين، كما طغى تحويل آيا صوفيا إلى مسجد على ذكرى توقيع معاهدة لوزان.

ولشدة دهاء السلطان، لم يختر مُصادفةً تاريخيةً واحدة، بل اثنتين؛ فيوم الجمعة يصادف مرور أربع سنوات وأسبوع على الانقلاب العسكري الذي خطط له منشقون مرتدُّون، ولكن السلطان بصلاته في هذا اليوم المبارك مسح عملهم وعمل الشيطان، وضرب المثل لغيره من القادة المسلمين المغمورين المبتدئين في مجال تطويع الصحف والأحزاب والشعوب مع مزايا القائد القادر على النجاة من الانقلابات العسكرية. 

العمامة على رأس إردوغان 

ظهر السلطان المتواضع إردوغان مُرتدياً لباسه العصري لمواكبة الزمن؛ فالدين الحنيف يصلح لكل زمان ومكان، ولكنه لم ينس ارتداء القلنسوة تيمناً بسنة رسول الله، ليذكِّر جموع المسلمين بضرورة السترة، تماماً كما ستر الخلفاء العثمانيون من قبله على كل الفنون والرسومات الموجودة في آيا صوفيا بعدما جارت عليه الأزمان في بداية حياته ككنيسةٍ بيزنطية و كاتدرائية رومانية.

وها هو السلطان إردوغان مجدداً يستر على الصرح ذاته بعد أن كان مُتحفاً مستباحاً من السياح مُحبي التاريخ والفن والفلسفة، وأعاد له الهيبة تماماً كما أعاد الدولة العثمانية مشروعاً مرموقاً ممتداً في أرض الله الواسعة عوض استمرارها كمشروع علماني متواضع يهتم بشأنه الداخلي.

السيف في يد علي أرباش 

إن كان هناك شيء يضاهي جمال طلة السلطان إردوغان، فهي إطلالة الخطيب علي أرباش وهو يعتلي المنبر حاملاً بيده سيف السلطان محمد الفاتح، وعليه آية من القرآن: “إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا”. في هذه اللفتة إحياءٌ للتاريخ المجيد حين دخل الفاتح القسطنطينية وآيا صوفيا للمرة الأولى، وبهذه الطريقة مهَّد أرباش للخطبة الرنانة الواعدة باسترجاع المقدسات وتحقيق العدالة؛ إذ إن فتح الجمهورية ما هو إلا خطوة على طريق  فتح الجمهورية السورية والليبية والقبرصية، تحت رعاية السلطان إردوغان، قائد المسلمين الحكيم، الذي يدرس مصالح دولته بحنكة بينما يُراعي أيضاً مصالح الإمبراطوريات المرموقة كالصين، حيث تتواجد أقليات مهمشة من أبناء الدين الحنيف.

شعورك تجاه المقال؟