خبر

خبراء ينصحون الناس بالتخالط فقط في الأماكن الجميلة الخلّابة ذات الهواء المنعش يااااه لو أننا نملك مثلها

صورة خبراء ينصحون الناس بالتخالط فقط في الأماكن الجميلة الخلّابة ذات الهواء المنعش يااااه لو أننا نملك مثلها

تعوَّدنا كمواطنين مأخوذين بالأجانب ولا نملك ذرّة ثقة في قدرات دولنا على إنشاء مستوصف طبيعي لتُشيّد منظومة صحة عامة، تعودنا على تضارب تعليمات “الخبراء” والحكومة أثناء جائحة كورونا. بعض التضارب مبرّر، إذ لم يكن أحد يعرف شيئاً عن فيروس كورونا، ومن المعروف أن الحيطة أفضل من عض الأصابع ندماً، ثم إن أخذ الاحتياطات بداية الأزمة سمحت لنا بتفادي العزائم الثقيلة على النفس كعزيمة الملفوف عند أم حمودة في رمضان، كما ساعدتنا على مراجعة معلوماتنا عن مسلسل لعبة العروش أثناء الاجتماع اليومي مع فريق العمل عبر التطبيقات الإلكترونية التي تتيح لك كتم صوت المايكروفون والاستمتاع بحياتك. 

إلا أن التعليمات الأخيرة من الخبراء البرجوازيين في البروج المشيدة في منظمات وجامعات العالم الأول ضربت بخصوصيات منطقتنا عرض الحائط؛ فتارة يطالبوننا بارتداء الكمامات التي تُصعّب التحرش الشفوي في الشارع، وتارة ينصحون باقتصار تجمعاتنا على الأماكن المفتوحة حيث الماء العذب الرائق والخضرة اليانعة والورد والحيوانات والطيور المتسأنسة والهواء النقي المنعش، وكأن مشاكل شعوبنا الصامدة المقاومة للإمبريالية العالمية انتهت، ولم يعد لدينا سوى إنشاء مساحات خضراء وتنقية الهواء وتنظيف الممرات المائية من أمراض متوطنة ووطنية مثل البلهارسيا. 

لذا، ومن باب الرفاهية، لعلمنا أن رفاهيتنا الحالية محصورة في الوقوف على الرصيف تحت ظل بناء إسمنتي حار لا يقي حراً أو زمهريراً، دعنا نتخيل عزيزي القارئ يوماً في العالم الأنيق الذي يدعونا خبراء الغرب للتصرف وكأننا نعيش فيه. 

تعال معي، تخيل أنك تستيقظ صباحاً وتفتح الشباك، وبدل استنشاق خليط دخان السجائر المضروبة وشذى عوادم السيارات وزيت الفرامل والصرف الصحي والكاوتشوك المحترق على أنغام أبواق السيارات وتبادل الشتائم بين السائقين، تجد الجمال والتنظيم منتشرين في كل مكان، يع، اللعنة، إن هذا كفيل بتعكير متعة الاستيقاظ صباحاً من الكوابيس الممتعة على نعيق الطيور وزعيقها المزعج. 

وتخيل، بعد هذا الصباح المزعج، أن ترتدي الكمامة والكفوف وتذهب إلى الحديقة للالتقاء بصديق، وربما تعدو على طرق معبدة في مناطق خضراء مُخصصة للرياضة، أو تركب دراجة في شارع خالٍ من الحُفر والمنعرجات، قد تستمتع بهذه النشاطات في تلك اللحظة، لكن آخرين سيستمتعون بها كذلك، وهو ما سيتسبب باكتظاظ الشوارع وتأخرك في الوصول إلى عملك حتى تستمع إلى سخافات مديرك وجدول أعمالك اليومي المنظم وكأنك الرئيس التنفيذي لشركة بوينج، ولست محاسباً محظوظاً في مقهى الحاج برعي. 

ولنكن منطقيين، ما الفائدة من المناطق الخضراء على حياتنا الاجتماعية؟ ما الفائدة من الالتقاء في فضاء رحب أو المشي في طرقات هادئة؟ تحسين صحتك النفسية؟ عظيم، وماذا عن الجلسات اليومية المغلقة حيث تترعرع الغيبة والنميمة المحببة إلى قلوبنا، أتستحق البيئة النظيفة التضحية بها؟ انظر إلى المسؤولين الذين يحوزون مساحات شاسعة في الأراضي على شكل حدائق غناء في قصورهم، انظر إلى القلق والتوتر الذي تُسببه لهم بحيث يزرعونها بالكاميرات والحراسة المُشدّدة خوفاً من أن يدخل إليها أمثالك. ثم اشكر الله على عدم امتلاكك شيئاً تخشى خسارته.  

إذن، كيف نحافظ عزيزي القارئ على نمط الحياة اليومية قبل الجائحة دون الانجرار وراء البروباغاندا الغربية؟ لنبدأ بإيجاد حلول مبتكرة مناسبة لثقافاتنا ومجتمعاتنا. بإمكاننا مثلا مطابقة تجربة لعب الطرنيب في القهوة بإعداد تطبيقات للعب وتبادل الشتيمة على الإنترنت، واستخدام مبسم خاص بنا في الأرجيلة الديليفيري. أو قيادة السيارة والبقاء على بعد مترين أو أكثر من الأصدقاء في السيارة الأخرى على ناصية الشارع وتبادل أطراف الحديث دون نفخ دخان السجائر في وجوههم. 

وإن ضاقت بك الحياة في المدينة، فلتحمل حقائبك وتذهب إلى الريف، حيث الطبيعة الخلابة الوطنية الأصيلة الخالية من أي خدمات ينبعث منها التلوث أو بشر، لأنهم جميعاً في المدينة. 

شعورك تجاه المقال؟