الحدود تسأل والحدود تجيب

لماذا أجامل الناس يا الله؟ أنتِ تسألين ووالدتك تقرصك بقوة أكبر

رنا برغمجي، خبيرة الحدود لشؤون التعذيب الخفي

صورة لماذا أجامل الناس يا الله؟ أنتِ تسألين ووالدتك تقرصك بقوة أكبر

كبرتُ ووعيتُ وأدركتُ الأهمية الاستراتيجية لادعاء أنّني أفهم الأهمية الاستراتيجية لخلع البيجامة المزكرشة القطنية الجميلة المريحة والجوارب الطويلة ذات أذن الأرنب التي يُهين ارتدائها مشاعر ضيوفنا الكرام. صرت ألبس الجينز والقمصان والأحذية لأستقبلهم، أي والله، جينز في نصف المنزل، على كنبتنا نحن، وفي أملاكنا نحن. يمكنني ارتداء الملابس القطنية المريحة حين أذهب إلى العمل، ولكن لا، لاااااا، علي ارتداء الجينز أو القماش لأم سمير وأبو سمير وابنتهم سماح. أم سمير التي لطالما شاهدتها بالقمطة والجلباب تنشر الملابس الداخلية على الشرفة، بل صرت أُقدّم لهم العصير عن طيب خاطر بالكؤوس الطويلة الرفيعة التي أُحرم من استخدامها على مدار العام ليطفحوا منها عندما يشرّفون مرة واحدة في العام ليحتلوا أجمل غرفة في البيت، تلك التي أُمنع من دخولها. أُقسم لكِ يا أمي العزيزة أنّني تصالحت مع هذا كله، ولكن لماذا أجاملهم، لمَ أجاملهم يا الله؟ لماذا على أن أشدُّ ظهري إلى الخلف وأشفط معدتي وأضع قدماً على قدم وأبتسم ابتسامة خفيفة رقيقة ناعمة أنثوية حين يتمنون لي الزواج بابن حلال مثل سمير؟ مالك يمّا؟ سمير؟ هل نسيتِ سمير؟ ذاك الذي ما زال يأخذ مصروفه من والده، الذي يعتقد أنّ الأرض مُسطحة وأنّ ناسا تضحك علينا حتّى لا نعلم بمكان يأجوج ومأجوج.

آآآآخ، لماذا تقرصين؟ لم أنطق بحرف، كنت أتحدث مع نفسي، صحيح معك حق، نسيت أن تتمتعين بالفراسة وقادرة على قراءة الأفكار ولغة العيون؟ آآآه صحيح، الشااااي، طبعاً أكيد، ما زالت كؤوس العصير ممتلئة ولكن لا بُدّ من تقديم الشاي، لأنّ واجبنا تعذيب الضيوف وليس استضافتهم: عصير، كعك، شاي، قهوة، شوكلاته، تشيز كيك، حشو حشو حشو حشو، هل هذه خطة لتدخل أم سمير الحمام وترى الستائر الجديدة؟ آآآخ، حسناً هذه المرة تحدثت فعلاً، ولكن صوتي كان منخفضاً، آسفة ماما، آآآآآآي، قلت آسفة بالصوت أيضاً، أعرف، ليس علينا الاعتذار أمام الضيوف، لأن ذلك يشي بوقوع شيء، وهذا ما لم ولن يحصل في منزلنا. أخبريني بالله عليكِ، كيف تستطيعين قرصي هكذا والحفاظ على ابتسامتك كما هي بكل أريحية وكأن يدكِ منفصلة عن جسمك؟! ثم، ألّا تخافين أن يتجعّد قميصي المكوي الأنيق؟

آآآآآ .. قرصة أخرى، ستخرج عيناي من محجريهما. هذه القرصة لأبدأ التصرف مع الضيوف، كأنّ أُسليهم وأفتح الأحاديث وأتفاعل مع الأحاديث – بأنوثة طبعاً – دون أن أنسى شفط معدتي وتقويم ظهري ووضع يداي فوق بعضهما وإمالة ساقيّ بالدرجة المناسبة. والآن كيف أخبرهم أنّي أريد الذهاب إلى الحمام؟ هل ستزعلين إن عرف الضيوف بأنّني مثلهم أستخدم الحمام؟

يااااه كم أريد الاستلقاء على الأريكة التي يحتلها أبو سمير. ما أسوأ العواقب التي سأواجهها إن لم أجاملهم؟ شيء أسوأ من القرصة؟ نبذ من المجتمع؟ هل كان بروفيسور الأنثروبولوجيا محقاً عندما قال إنّ الحضارات القديمة كانت تقدس الضيف وتحترمه لاحتمالية أن يكون إلهاً في جسم إنسان؟ آآآآآخ خ خ. يبدو أنني سرحت بخيالي لمدة أطول من اللازم وأهملت الضيوف. حاضر، سأتفاعل معهم مجدداً وأشارك في حديثهم حول مدى جمال طقم الكنب الجديد الذي اشتريناه من آيكيا بنصف السعر، ولا يهمك يا ست الكل.

هل تعلمين أنّ أم سمير تعلم أنّك تعلمين أنّ سماح لن تتخرج من الجامعة لا بثلاث سنوات ونصف كما تدعي أمها، ولا بخمس ولا بسبع حتّى، وأنّه لا “ما شاء الله ما أذكاها” ولا ما يحزنون، وهي تعلم أنّكِ تعلمين أنّها تعلّم، وسماح تعلم وأنا أعلم وسمير يعلم. وأبو سمير يعلم جيداً أنّ أبي يعلم بأنّه اشترى سيارته بالأقساط، تماماً كما اشترينا سيارتنا، لماذا لا نتصالح جميعاً مع هذه المعلومات ونتحدث في السياسة؟ نسيت، أبو سمير يُحب بشار الأسد. هل يجب أن نتحدث؟ ألا يمكننا الاكتفاء بتأمل بعضنا البعض؟

بقي الآن بضع قرصات: واحدة للتذكير بتقديم الشوكولاتة، والثانية للتذكير بضرورة التشديد عليهم أن يأخذوا الشوكولاته، وأخرى بعد مصافحة أم سمير ببرود، ولكني سأبذل جهدي لأتفادى القرصة التي تليها للتذكير بتدارك الموقف عند مصافحة خالي، ثم آخر قرصة لكي أخرس ولا أتمتم وهم في طريقهم إلى الباب، لا بأس، سأتحملها كلها، لأني أقترب من الحرية أكثر فأكثر مع كل قرصة.

 

شعورك تجاه المقال؟