تقرير

قصة نجاح: هكذا أفلتُّ من مكالمة مدتها ثلاث ساعات مع صديقي الثرثار منتهزاً فرصة سعاله

تهاني مفاعيس، مراسلة الحدود لشؤون اللغو

صورة قصة نجاح: هكذا أفلتُّ من مكالمة مدتها ثلاث ساعات مع صديقي الثرثار منتهزاً فرصة سعاله

“في الساعة الأخيرة، فقدت قدرتي على الفهم أو الاستماع، أصبح كلامه مجرد همهمات.. أو أصوات مبهمة يتخللها ضحك أو شتائم. فقدت الأمل في أن يصمت وأعود لحياتي الطبيعية.. سبحان من أخرج يونس من بطن الحوت، وجعل صديقي يسعل في تلك الثانية”. 

هذا ما قاله الشاب مُحسن الفلعوطي، وهو يحاول استرجاع تلك الساعات الثلاث التي “سُرقت من عمره إلى الأبد” على حدّ تعبيره، أثناء حديث مع صديقه الثرثار، الذي رفض الإفصاح عن اسمه “حتى لا يتَّصل بي ليتحدث عن المقال”. 

ابحث عن البداية

يؤكد مُحسن أنّه يعلم طباع صديقه، لذا يعمد دائماً إلى التواصل معه من خلال الرسائل النصية لتجنّب الوقوع في فخه “رغم أنّه يردُّ علي برسائل صوتية تتجاوز مدتها خمس دقائق أحياناً، لكنّني تقبلّت المسألة منذ زمن وصرت اكتفي بسماع مقتطفات منها، إلّا أنّه لم يرد على رسائلي هذه المرة، والمسألة كانت مُلحّة للغاية، ما هي؟ والله لم أعد أذكر. لعنة الله عليه وعلى الساعة التي تحدثت بها معه وعلى السبب الذي دفعني لذلك. المأساة أنّني متأكد من اتصالي به لسبب ضروري، وحين أتذكره سأضطر للاتصال به مرة أخرى لأنه لم يترك لي مجالاً لأخبره بما أريد”.

ولا يُنكر مُحسن أنّه يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية “لا أقول إنّني السبب في كثرة كلام صديقي، وفراغه وتفاهته، لكنّني بدوري كنت أحمق؛ فأنا أدرك هذا كله ومع ذلك اتصلت به وبدأت مكالمة كان من المفترض أن تستمر لأقل من دقيقتين، وبكل غباء سألته (كيف حالك؟). كان علي أخذ الحيطة من أنّ هناك بشراً على هذا الكوكب يأخذون هذا السؤال على محمل الجد. لو أنّ الزمن يعود للوراء، لو أنّني كنت أقل حُمقاً، لو أنّ المعجم لا ينطوي على هاتين الكلمتين، لما ضاع نهاري سدى وأنا أستمع لحاله وحال زوجته وأخواته وابن خال عمة زوجة أخيه في كندا وحال بطل الرواية التي قرأها مؤخراً وانعكاس حال البطل على حاله، لما عرفت أنّه يُحب قالب الجاتوه متوسط الحجم ويُفضل احتواءه على بيضتين فقط”. 

رحلة كفاح

يقول مُحسن “في الساعة الأولى، لم تنطفئ روحي تماماً، وكنت أُفكّر بتكتيكات للهروب من المكالمة، قلت له: (حسناً، عظيم، عليّ العودة إلى عملي، إلى  اللقـ) لكنّه كان يسبقني دائماً بخطوة. سرَدَ قصة حزينة حدثت معه في الجامعة عام ٢٠٠٠ وانتقل برشاقة إلى عام ٢٠١٩، العام الذي سافر فيه أخوه إلى أمريكا لدراسة علم النفس الإكلينيكي وفقد أعز أصدقائه. فكَّرت: لا بُدّ أنّ توديعي له بهذه اللحظات سيشي بعدم تعاطفي، فجربت تكتيكات مختلفة، كأن أقول (لا حول ولا قوة إلّا بالله، إييييه، الله يعين ويُساعد، لعلّه خير) بلهجة تشي بالوداع، لكنّه تجاهل اللهجة وتمسّك بالكلمات وبدأ يتحدث عن القدر وعن وجهة نظره بالوجود”. 

ويتابع “أعلم أن الكلام وسيلة للتواصل؛ لكنّني أدركت في الساعة الثانية أنّ صديقي يعتبره رياضة يُدرِّب من خلالها لسانه وشفتيه وأحباله الصوتية، هذا ما يُفسر عدم قيامه بأي نشاط فيزيائي آخر أثناء المكالمة؛ لا يتنفس، لا يشرب المياه. إنه قوي لدرجة أنّه لم يلهث بعد جملة طويلة استمرت لدقيقة كاملة، لا يُفكر، يتحدث فقط. في الساعة الأخيرة، فقدت قدرتي على الفهم أو الاستماع، أصبح كلامه مجرد ضباب صوتي”.

الخلاص .. الحرية

“فقدت الأمل، قلت لنفسي: انتهت المسألة. لن يصمت ولن أعود لحياتي الطبيعية قبل أن يشعر بالنعاس ويغفو على الخط، ولكن سبحان مغير الأحوال، سبحان من أخرج يونس من بطن الحوت وأشفق على أيوب ونجاه من مرضه، فجأة ودون سابق إنذار عطس، وبدأ بالسعال. لم يصمت بالطبع، استمر بالحديث المتقطع، لكنّها فرصة انتهزتها في أقل من خمسة ثواني، (ألو، ألو، لا أسمعك، الشبكة، مشكلة في الشبكة، ودعاً، باي باي باااااي). أغلقت الخط، وأخرجت البطارية من الهاتف لعدة ساعات وربما سأتركه مغلقاً للأبد. أؤكد لك أنّ مُحسن قبل هذه المكالمة ليس كمحسن بعدها؛ لن أحتاج لأحد بعد اليوم، لن أتصل بأحد، لمَ أحتاجه أصلاً، ما الذي أريده منه؟ أستطيع فعل كل شيء في هذه الدنيا وحدي، من قال إنّ الإنسان يحتاج إنساناً لتصريف أموره؟ أستطيع فعل كل شيء وحدي، وإن لم أنجح لا يهمني ذلك، ما معنى النجاح أصلاً؟ ما المغزى من الوجود كله؟”. 

شعورك تجاه المقال؟