تقرير

وأخيراً: أزمة تُساوي بين جميع البشر، باستثناء الفقراء واللاجئين والمُهاجرين والمُحتّلين والوافدين

منيرة أبو جرزيم، خبيرة الحدود لشؤون البشر والبشرية

صورة وأخيراً: أزمة تُساوي بين جميع البشر، باستثناء الفقراء واللاجئين والمُهاجرين والمُحتّلين والوافدين

مع الشلل الذي أصاب الكوكب ومنع الناس عن أبسط ممارساتهم اليومية وحشرهم في بيوتهم، بات الكثيرون يشعرون بالعجز والقلق وقلة الحيلة، وهو ما خلق شكلاً من التضامن والتعاطف مع بعضهم، وكشف لهم  الروابط الخفية التي تجمعهم وتحدِّد مصائرهم، بينما جهدت حكوماتهم لإيجاد حلول ترسي بهم جميعاً إلى بر الأمان، جميعاً، الجميع، باستثناء بضعة مليارات نسمة موزعين هنا وهناك ممن سيصبح حالهم أسوأ بكثير وينعدم استقرارهم بمراحل. 

وبحسب خبير علم الاجتماع والتنمية البشرية، الدكتور فادي شقبعات، فإن الإحصاءات والرسوم البيانية الدالة على التمايز والتفاضل بين الناس تظهر أنهم أصبحوا عرضة للأضرار ذاتها على الصعيد الصحي والنفسي والاقتصادي والأمني “ولكن علينا الانتباه إلى أن هذه المؤشرات دقيقة لتغطيتها الطبقات الوسطى، والوسطى-الغنية، والغنية، التي تحظى برقم وطني ووظائف دائمة وحسابات بنكية، ولا تشمل فئات هامشية مثل الفقراء واللاجئين والمُهاجرين والوافدين ومن هم تحت الاحتلال؛ فكيف لنا أن نوثق أحوال هؤلاء والكثير منهم لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو عناوين دائمة؟ هل ننسب معلوماتهم لأرقام هواتفهم أم لحساباتهم على فيسبوك؟”.

وأضاف “هناك أسباب علمية أيضاً لعدم أخذهم بعين الاعتبار؛ إذ يجب علينا تثبيت المتغيرات لقياس العامل المطلوب، ولن نتمكن من معرفة الآثار المترتبة على الحجر المنزلي بشكل دقيق إذا اختلطت بالآثار التراكمية للفقر وسوء التغذية وكثرة الترحال والعذاب والبهدلة”.

وأشار فادي إلى أن البعض يشيدون بدور الجائحة بإيقاظ شعلة التعاطف عند الناس، فيما يعرب آخرون عن استيائهم من قسوة الفيروس وهجومه على المستضعفين دون رأفة “والأجدر بالطرفين الكفُّ عن الحكم عليه وفق معايير الإنسانية وأخلاقية وأن يتذكروا أنه مجرد فيروس، وتقبُّل حقيقة أن انتشاره في غرفة أو خيمة يسكنها عشرة أشخاص أسهل من انتشاره في قصر يخصص جناحاً لكل شخص فيه، وأن انتقاله بين أفراد لا يملكون ثمن الكمامات والقفازات والمعقمات أسهل من تفشيه بين أفراد مُحصنين بمخزون احتياطي من هذه المواد. إنه ينقض على كل من في طريقه، ولا يكترث إن كانت فريسته مجرد بهيم عنيد غادر منزله بحثاً عن الترفيه، أو فتاة لاذت بالفرار من منزلها هرباً من العنف الأسري”.

وأوضح فادي بأن اتهام الفيروس بالتمييز ضد فئات معينة يعتبر بحد ذاته شكلاً من أشكال العنصرية، وإقراراً ضمنياً باطلاً بأن هناك فئات تختلف عن غيرها “فالناس لا ينظرون إلى لون البشرة أو الجنس أو الحالة المادية أو الوضع الاجتماعي، لأنها مجرد شكليات لا قيمة لها، إلا في بعض الحالات مثل عناصر شرطة الذين يتوجب عليهم اعتقال الأفراد الذين ترجح احتمالية ارتكابهم الجرائم، وأصحاب عمل لا يملكون الوقت للتعرف شخصياً على جميع الراغبين بالتوظيف عندهم؛ فيكتفون بلمحة على سيرته الذاتية وصورته لاختيار الأنسب، وموظفو حكومات وسفارات عليهم أن يقرروا بسرعة من يدخل بلادهم ومن يبقى عالقاً خارجها، ومدراء مدارس ورؤساء جامعات مسؤولون عن وضع أنظمة قبول تحافظ على التناغم بين الطلبة في البيئة التعليمية، وبقية الناس الذين يحق لهم معرفة الخلفية الثقافية والدينية والإثنية لجارهم الذي انتقل إلى الحي مؤخراً وما إذا كان يستحق الترحيب به أم أن عليهم تجاهله ودفعه للمغادرة”.

أما بالنسبة لمن حمّلوا الجائحة أجندة سياسية اقتصادية، وصوّروها ثورةً تستهدف النظام وتطال ثرواتهم وتهدد امتيازاتهم وتساويهم بالعاملين عندهم في بيوتهم وشركاتهم، فيؤكّد فادي أن على هؤلاء الكف عن الفزع، وتذكّر أن الحكومات والسياسات المصرفية دائماً ما تجد طريقة لهندسة الأمور وترتيبها بحيث يبقون مكانهم أعلى الهرم “ولعل العامل الوحيد الذي يهدد مواقعهم هو عدم بقاء أي شخص على قيد الحياة يمكنهم سحقه واستغلاله”.

شعورك تجاه المقال؟