الحدود تسأل والحدود تجيب

هل عليّ الاستحمام أمّ أنّ رائحتي لم تفُح خارج غرفتي بعد؟

سلوّم هلَمبَط، مراسل الحدود لشؤون القذارة 

صورة هل عليّ الاستحمام أمّ أنّ رائحتي لم تفُح خارج غرفتي بعد؟

الأحد ١٥ / آذار / ٢٠٢٠

أعلم أنّ الوقت ما زال مُبكراً على هذا السؤال؛ إذ لم يمض سوى ثلاثة أسابيع على جلوسي في الغرفة دون استحمام. لم يتجاوز الزيت جذور شعري ووسطه وأطرافه؛ هناك كثير من الخصل تخلو من أي لمعان، كما أنّني أغسل يدّي لمدة ٢٠ ثانية وفق تعليمات وزارة الصحة، وأرش العطر ومزيل العرق ومعطر الجو باستمرار، والحشرات التي تحوم حولي عشرة فقط. هذه كلها مؤشرات إيجابية، ولكن، لماذا لم تبادر إحدى الحشرات للاقتراب مني، هل يعقل أنها تشعر بالاشمئزاز؟

الأحد ٢٢ / آذار / ٢٠٢٠

كيف أعرف عن رائحتي؟ فالأنف يعتاد الروائح ويصعب عليه تحديد مدى ردائتها مع مرور الوقت، هل أنادي أخي أمجد ليقترب تدريجياً من الغرفة ويقف حين يبدأ بشم رائحة غريبة مقرفة؟ كيف أثق بأنّه لن يتلاعب ليدفعني إلى الاستحمام ويحتل الغرفة؟ علماً بأنه يقبع في البيت مثلي وقد تختلط رائحتي برائحته ولا نُميّز المصدر. أبي؟ يستحيل أن أسأله وأجازف بطردي من المنزل؛ سؤال أمي ليس مطروحاً على طاولة النقاش؛ فهي مصابة بالوسواس القهري وتطالبني بالاستحمام ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل. 

عليّ التوقف عن المكابرة واستيعاب أنّني وحدي المسؤول عن تحديد مدى انبعاث الرائحة وقوتها؛ فأنا من سيدخل حوض الاستحمام ويفرك الصابون ويرش الماء، لقد ولّت أيام الطفولة، حين كانت أمي  تُقرّر أنّني قذر وتجرني إلى الحوض وتنقعني بالماء الساخن. ولّت تلك الأيام حين كانت المسافات التي يبتعد فيها الزملاء عني تُنبهني إلى ضرورة الاستحمام، حتّى خلود التي كنت أرش العطر لأجلها، ولّت أيامها، تركتني وجهاً لوجه مع نفسي، ولعلها جالسة الآن في حجرها تخالجها الأسئلة ذاتها.

الأربعاء ١ / نيسان / ٢٠٢٠

اليوم هو اليوم الخامس أو السادس، ربما السابع، ما هو الزمن أساساً؟ إنه مجرَّد فكرةٍ اخترعناها لنتعامل مع محدودية حياتنا وانعدام المعنى فيها، صبغنا وجودنا به حتى انقلب الأمر علينا وبتنا نعدُّ الأيام ونتسابق على قطعها، نجدول أيام استحمامنا كلَّ يومٍ أو يومين ونلتزم بهذه القيود التي وضعناها على أنفسنا، عوض اتخاذ هذا القرار بناءً على الحاجة. 

اعتقد أن تركيبة غرفتي الكيميائية قد تغيَّرت وتحولّت إلى مُكّعب من الراوئح، فقد مرّت مُدة على تناسي أهلي لمناداتي إلى مائدتي الفطور والغداء، واكتفائهم بوضع الطعام بباب الغرفة. حتّى أبي، لم يعد يطلب مني جلب الريموت من الطاولة المجاورة له أو يوبخني بسبب عدم جلوسي معهم في السهرة. هل خرجت رائحتي فعلاً عن السيطرة؟ أم أنّ أخي التافه لعب بعقل العائلة وأصبح يخدمهم عوضاً عني ليزيدوا مصروفه. وحتّى لو كانت الرائحة هي السبب، ما الضير في ذلك؟ بالعكس، ربما عليّ الاستفادة من مفعول رائحتي والاستراحة من طلباتهم التي لا تنتهي، ولكن، ماذا لو امتنعوا عن وضع الطعام بباب الغرفة؟ هل سأموت من الجوع والقذارة؟

ــ / ــ / ــ 

أعتقد أنّني مُصاب بجنون الارتياب، أفكار وهلوسات ومخاوف غير منطقية وهوس نظافة زائف؛ فأنا جالس هنا في غرفتي، من أين ستأتي الأوساخ؟ لم تظهر عليّ أعراض سوى حكَّة خفيفة تختفي فور فركي جلدة رأسي بأظافري الطويلة، ولم ألاحظ أي تغيّر بلون جسمي. 

ومن ثم، لتأتي الأوساخ، لم يمت أحد من القذارة سابقاً، هناك مبالغة في الاهتمام بالاستحمام، مع أنه مجرد اختراع تافه لتصريف الشامبوهات والليف والصابون والسيراميك وأحواض الاستحمام والحنفيات التي صنعت دون أن يكون لها أي استخدام أصلاً.

يستهلك المرء كمية الماء ذاتها مهما تراكمت الأوساخ على جسده؛ لذا، فإن كثرة الاستحمام بلا ضرورة إسراف للمياه. إن هذه الحقيقة تقودنا للتساؤل عن الفائدة منه بشكل دوري إن كنت سأتسخ مجدداً. لمَ أضيّع على نفسي الشعور بسعادة الإنجاز لإزالة اللون الأسود الذي سينزل عن جسدي حين أستحم وأنا في قمة قذارتي لقاء اللون الباهت الذي سينزل بعد شهر أو شهرين فقط؟ ثمّ، ماذا عن السرير الذي أنام فيه؟ سأحتاج لتنظيفه أيضاً حتّى لا تعود الرائحة وتحتل جسدي النظيف؟ لا لا. لن أستحم.

بالمناسبة، لقد توقف أهلي عن وضع الطعام بباب الغرفة، ولم أسمع لهم صوتاً منذ عدة أيام، أقاطعوني بشكل نهائي؟ أم أنّ الرائحة لها مفعول المنوم؟ أو .. هل يعقل أن يكونوا قد انتقلوا من المنزل؟  

شعورك تجاه المقال؟