خبر

الدولة تصطدم لأول مرة بأزمة لا يحلُّها تجهيل الشعب

فخري ترالالي، مراسل الحدود لشؤون الجاهلية الحديثة 

صورة الدولة تصطدم لأول مرة بأزمة لا يحلُّها تجهيل الشعب

بعد أعوام طويلة من نجاح السياسات التي اتبعتها الدولة لتجهيل مواطنيها كوسيلة تحمي النظام من المواطنين والمواطنين من أنفسهم، تجد الدولة نفسها اليوم في صدام مع أزمة لا يحلُّها جهل الشعب الذي استعصت على فهمه التعليمات البسيطة؛ فأخذ الناس يجتمعون ويقبلون بعضهم ويتهافتون على نقل العدوى، مشكِّلين بذلك خطراً على وجود النظام الذي لن يستطيع المضي قدماً من دونهم. 

الحكومة لاحظت أن الشعب في هذه الأيام أخذ يمشي، بل يركض، بشكل جماعي نحو حتفه بمخالفة الإجراءات التي فرضتها الدولة لمنع انتشار وباء كورونا، وتبيَّن أن رهان الدولة على وعي المواطن هو أول رهان يمكن أن تخسره القيادة الرشيدة التي تجتاز جميع رهاناتها بنجاح، بدليل بقائهاحتى اليوم رغم افتقادها للحد الأدنى من الكفاءة.    

ويُعرف عن الدولة توفير حياة رغيدة للمواطنين من خلال اعتمادها شعار “ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ”. فحتى إن لم يحصِّل المواطن لقمة العيش فهو على الأقل ينعم براحة البال ويتَّكل على الدولة، بعد اتكاله على الله طبعاً، لتأمين أدنى مستلزمات المعيشة؛ فلا يتكبد عناء المطالبة بحقوق حرصت الدولة على عدم معرفته بوجودها أساساً. 

فضلاً عن ذلك، ساعدت الحكومة المواطنين بتخليصهم من عناء الجري وراء الأوهام؛ كتلقِّي أي نوع من الخدمات مقابل دفع الضرائب، والمشاركة في صنع القرار والمحاسبة والمساءلة والنشاط الحزبي والديمقراطية، وغيرها من الهموم التي وضعتها الدولة تحت السيطرة بمحوها من قواميس المواطنين أو التلاعب بتعريفاتها، حتى عمَّ الأمن والأمان والاستقرار لها في مكانها مهما كان الأمن والاستقرار مفقودين في البلاد.

ولم تكن ردود فعل الشعب تجاه أزمة الكورونا خارجة عن التوقعات تماماً؛ إذ إن مستويات الجهل كانت تتسبب أحياناً ببعض المظاهر والسلوكيات التي تبدو رجعية وغير حضارية، لكن الدولة -التي تحل مشاكلها بتجهيل الشعب- استغلَّت الأزمة مرَّة أخرى، ولم تسمح لهذه المظاهر بأن تكون مجرد إساءة لسمعتها أمام المجتمع الدولي، بل اتخذتها فرصة لدعم خزينة الدولة وجيوب مسؤوليها بطلب تمويل من البنك الدولي.

شعورك تجاه المقال؟