منذ أن أطلق الزعيم القائد حبيب الملايين جمال عبد الناصر جملته الشهيرة “لا صوت يعلو فوق المعركة”، ثابرت أنظمة عدّة على استخدامها وتكرارها واستعمالها وإعادة استعمالها. وبالفعل، أثبتت هذه الأنظمة أن صوت المعركة أعلى من صوت الحرية والديمقراطية وصوت القانون الدولي وحقوق الإنسان وصوت التعذيب في السجون وصوت الجوع والفقر.

ولكننا في الحدود لم نسلم بهذه المعلومة، وابتعثنا زميلنا ثقيل الدم، جميل البرطون، أملاً في التخلّص منه وهو يتحرّى عن الأصوات التي تعلو صوت المعارك، إلّا أنّه، مع الأسف، عاد ومعه قياسات صوتية لعدد كبير من الأشياء، ومنها خمسة علت على صوت أعلى المعارك:

١. صوت الشخير: سواء أكان الشخير قادماً من الشريك الخاطئ الذي انتهى أمرك معه في الفراش، أم صوت شخير جارك الذي ينام وشباكه مفتوح بالصيف ليبث موجات شخيره إلى العالم من حوله، فإن تردد صوت الشخير ليس قادراً على إيقاظ أي شخص فحسب، بل وعلى الإمساك بعقل سامعيه وإرسالهم إلى حافّة الجنون وما بعدها.

٢. صوت خطابات ما قبل المعركة: ففحولة القادة ومصدر قوّتهم ليست في المناطق المعهودة، ولا في عقولهم أو خبراتهم العسكرية، إنها تكمن في حناجرهم، لذا، غالباً ما يكون حديثهم على شكل خطابات حماسية ثورية، وتهديد ووعيد لأعداء الداخل الذين سيتحملون مستقبلاً مسؤولية الهزيمة، كما أن التطرق للظروف الحتمية والمرحلة التاريخية لا يمكن أن يقال دون صراخ وزعيق.

يضاف إلى صوت القادة أصوات تصفيق وتصفير الجماهير العريضة وترديدها كلمات من نوع: بالروح، بالدم، نفديك، ويعيش يعيش هذا ويعيش يعيش ذاك. ومع اجتماع أصوات القادة والجماهير العريضة، يصبح الصوت عالياً لدرجة عدم القدرة على سماع الطائرات والمدافع أثناء قصفها لنا.

٣. صوت الهزيمة: فالمعارك التي نخوضها هذه الأيام معارك من طرف واحد، ويأتي صوتها في العادة هائلاً على هيئة فضيحة مدوية. يتكون هذا الصوت من خليط من أصوات الضرب الذي نتلقاه وعظامنا وهي تتطقطق على يد الأعداء، إضافة إلى صوت الشتائم وعبارات الشماتة وصوت بكائنا ونواحنا، ممزوجاً بأصوات الأغاني والاحتفالات العسكرية ومهرجانات الصمود والنصر الإلهي والنصر المؤزر التي يقيمها القادة للاحتفال بنجاتنا من المسح التام.

٤. صوت بكاء رضيع على حافلة النقل: فهو ينخر الرأس، ويتحدى إنسانيتك ورباطة جأشك، ويدفعك لرؤية الطفل البريء الذي يبكي كسبب رئيسي لجميع الهزائم والنكبات والنكسات التي أصابتك أنت شخصياً، وأصابت الأمّة.

٥. صوت والديك يوم نتائج الامتحانات: هذه هي الحقيقة الوحيدة المطلقة في هذا المقال، فكل الزلازل والبراكين، كل التسوناميات وانهيارات الجسور والشوارع والجبال، سببها الترددات الصوتية للأهالي الذين عرفوا معدّلات أبنائهم يوم نتائج الامتحانات، وعرفوا أن ابنهم لن يصبح طبيباً أو مهندساً.

مقالات ذات صلة