كلّنا يعلم، بما في ذلك قطّة الشارع وكلاب الأجهزة الأمنية، أن أي قطعة ورق، أهم وأنظف من الأوراق التي كتب عليها دستور بلادك الأعرج. لكن كيف؟ أين؟ ولماذا يتفوق ورق لفّ السجائر على الدساتير العربية في قدرته على إدخال البهجة إلى قلوب من يتعاطاه؟

خبير الحدود في الشؤون الدستورية، عمر تعاريس، يأتينا بأربعة أمثلة عن أوراق أكثر أهمية وفائدةً من الدستور ونصوصه التي صادق عليها مجلس النوّاب الهزيل والهزلي، ثم نكحها بعبارة “تبعاً لبنود وأحكام القانون” في كل فقرة، وأتبعها بقوانين تلعن نص الدستور وروحه.

كتب عمر تعاريس

كثيراً ما يطلب منّي بائع الفلافل أن أتبرّع له بنسخ الدستور التي أمتلكها ليستخدمها في شيءٍ مفيد، ولطالما طمعت زوجتي في الحصول على الشروحات الدستورية لتلميع الزجاج بها، مع أن العلم أثبت أنّ الصحافة الرسميّة هي الأنسب لهذه المهمّة.

لكنني الآن، وبعد بحثٍ مضنٍ، تمكّنت من تحديد أربعة أوراق تتفوّّق على الدستور وشروحاته وملحقاته، وهو ما ساعدني على التخلص من الدستور الذي تعلّقت به. ألخّص لكم في هذا النص ما توصّلت إليه، لتعمّ الفائدة، وليتعافى من هم مثلي أو مثلكم من مرض التمسّك بدستور البلاد.

لكن هذه الورقة تتفوّق على الدستور، لإمكانية احتوائها على معلومات مهمّة. ولأنّ ركلها واللعب بها لا يأخذ البلد معها إلى ستين داهية. يمكنك أيضاً رمي الورقة في سلّة المهملات دون أن تخطف وتؤخذ إلى محكمة أمن الدولة.

 

ورق اللعب (الكوتشينة أو الشدّة): يتشابه ورق اللعب مع الدستور باعتبارهما لعبتين من ألعاب الحظ. هل سألت نفسك كيف يتمحور دستور بلدك حول المَلَكية مثلاً فيما تدور دساتير بلدان عربية أخرى حول الجمهورية؟ هل تساءلت عن عدم وجود ديموقراطية ولا حقوق إنسان ولا حقوق حشرات في كل هذه البلدان بغض النظر عن دساتيرها؟ إنّه الحظّ يا عزيزي، يلعب الحظ والصدفة والغباء دوراً مهمّاً في لعبة الدستور تماماً كما في لعبة الكوتشينة. كما أنّ كلاهما، أوراق اللعب والدستور، يعدان مجالاً ممتازاً للمقامرة بمالك وبيتك ومستقبلك.

من جهة أخرى، تمتاز أوراق اللعب بشعبيتها واحتوائها رسوماً ملوّنة جميلة، كما يمكن استعمالها، في حال تمتّعك بالصبر، لبناء قصر أو هرم  ورقي أو ما شابه. وتوجد قوانين صارمة تحكم اللاعبين وتحاسب الغشاشين، أمّا الدستور، فهو تسلية اللاعبين الكبار فقط، ولا يحتوى على أي نوع من المتعة، فهم تارة يعتبرونه ورقة مهمّة لا بد من الحفاظ عليها وتطبيقها، وينسونه مرميّاً وراء قانون الطوارئ تارة أخرى.

 

ورق العنب: أحضر قدراً كبيراً من ورق العنب الملفوف بعناية وأناقة، أغمض عينيك، ووسّع فتحتي أنفك لتستنشق رائحته الشهية، تناول ورقة واحدة وتذوق طعمها الحامض، هل سال لعابك؟، حسناً، تخيل الآن رفاً مليئاً بالنصوص الدستورية والتعديلات والتفاسير المغبرة، لا تغمض عينيك ولا تتخيل شيئاً ولا تستنشق خوف أن تصاب بالحساسية. إبق مع ورق العنب اللذيذ، كلّنا نفهمه فهماً عميقاً، فهو إحدى الحقائق المطلقة في هذا الوجود.

 

ورق الزجاج: خشونة النص الدستوري، وصعوبة بلعه، تتطابق مع خشونة ورق الزجاج، مع فارق بسيط، هو أن استعمال ورق الزجاج في حف الأسطح وصقلها بشكل مستمر يلينه ويذيب خشونته، وهو الأمر الذي يستحيل حدوثه في حالة الدستور، فالنصوص في الدستور وضعت بطريقة تعطل استعماله لصقل القوانين، وغالباً ما ينتهي المطاف بالقوانين صاقلةً للدستور.

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة