كازاخستان مهندسين

اعتقد شاب ولد في بلد عربي، ثمَّ كبر وترعرع ودرس الهندسة في إحدى جامعاته وبحث عن وظائف واكتأب فيه وفشل وبحث مجدداً دون جدوى إلى أن التحق بدورات تخصص مكثفة، عاد بعدها للبحث عن عملٍ بلا طائل، فلجأ للهجرة خارجه ولم يُوفق بالحصول على فيزا سوى إلى كازاخستان من بين كل الدول، أجل، اعتقد هذا الشاب أنَّه قد وصل إلى القاع، ومن المستحيل أن يلحقه مزيدٌ من النحس؛ إلا أن القدر كان له رأي مختلف، حيث سحبه إلى درك أسفل من الحضيض، ولطمه على وجهه وإبرحه ضرباً على يد جموع من الكازاخ الغاضبين.

آلام الوجود

علِم الشاب أنَّه وُلد في المكان الخاطئ من العالم فور خروجه إلى الحياة ورؤيَته ملائكة الرحمة العابسات حوله. لكنَّ، ورغم هول الصدمة، آثر ألا ييأس، خصوصاً وأن الطبيب قطع الحبل السري، فلم يعد قادراً على الزحف إلى حيث كان، أو شنق نفسه بواسطته.

وخلال السنوات التالية، استسلم الفتى لقدره؛ وتقبََّل الصدمات المتعاقبة بكافة أشكالها وأحجامها، على مؤخرته، وجهه، قدميه، بطنه، في المنزل، الحارة، المدرسة، من المناهج التعليمية، من أمه، أبيه، التلفاز، معلميه، وابنة الجيران. 

التقاط الأنفاس

مع وصوله لنهاية مرحلة المراهقة، ركَّز الشاب على رضا الوالدين. ولتفادي غضبهما وخشيته من قدرتهما على تنكيد عشيته أكثر، دخل تخصُّص الهندسة المدنية في الجامعة؛ لتشكِّل مرحلة وردية قياساً بما واجهه سابقاً. كانت كلمة مُهندس تثلج صدره، وتوهِمه بأنه وضع قدمه على أولى درجات الراحة والنجاح، متناسياً تمتَّع كل حارة في الوطن العربي باكتفاء ذاتي من المهندسين.

ورفع رأس والده أخيراً، وافرحتااااه، علّق شهادة المهندس فوق الكنبة الرئيسية في غرفة الضيوف، نظفها واعتنى بها. غيّر إطارها مرات عدة ليحميها من الاصفرار والرطوبة التي أكلتها يوماً بعد يوم، ويشغل نفسه بأي شيءٍ عوض الاستلقاء على سريره طيلة اليوم بلا عمل.

إنه الفراق إذاً

بعد سنوات من البطالة والتدريب المجاني واستدانة أجور المواصلات وثمن السجائر، علت في بيت العائلة زغاريد فرح، فقد حظي الشاب بفرصة عمل في بلاد الغربة. لم يكترث أحدهم أنها في كازاخستان، لقناعتهم أن البلد الذي يجهله المرء أفضل بكثير من البلد الذي يعيش فيه. حمل المهندس ملابسه الشتوية وطاقيته الصفراء وانطلق مُهندساً ملء الدنيا، ليتقاضى راتباً للمرة الأولى في حياته.

ضريبة الغربة

لم يكوِّن الشاب المحظوظ صداقات مع الكازاخ، لم يتعلم اللغة الروسية، ولم يتعرف بفتاة يلتقط معها صورة وينشرها على صفحته الخاصة في فيسبوك، لم يلعب بثلجهم حتّى. مشى الحيط الحيط، من السكن إلى الورشة، ومن الورشة إلى السكن، ومع ذلك، أبت الحياة إلا أن توافيه بمزيد من الضرب على يد قبائل لا تختلف عن تلك التي تركها في بلاده سوى بارتدائها الملابس الشتوية بدل الدشاديش.

لم ينته الأمر بعد

لم تنته المعاناة عند هذا الحد، فالمستقبل أمامه ضبابي غائم ماطر وزفت، خصوصاً أنه إزاء ما حصل معه، لم يعد أمامه سبيل سوى العودة إلى نقطة الصفر في أرض الوطن، والبحث عن عمل جديد لا يعرف طبيعة البهدلة التي سيلقاها فيه.

وقعت على الأرض ضحكاً
ضحكت دون أن أقع على الأرض
مؤلم
إبداع
تجاوزت الحدود
غبي
المذكور أعلاه
سيكون قسم التعليقات متاحاً خلال بضعة أيّام

مقالات ذات صلة