البطاطا

نخوض جميعنا في نقاشاتٍ حول ما سنأكلُ اليوم، تبدأ بمحاولة العثور على مطعمٍ آخر غير ماكدونالدز نُجرِّب وجباته، لنكتشف أنَّها تطلب فوق سعر الوجبات ثمناً لتوصيلها، فلا نغامر بدفع كل هذه الأموال لمطعمٍ لا نعلمُ خيره من شرِّه، وينتهي بنا المطاف بطلب ماكدونالدز، مُجدَّداً.

وسواء كنت مع زملائك في العمل، أو مع عائلتك عندما تُقرِّر والدتك أخذ يوم راحة من الطبخ متناسية أنَّك عالة عليها وغير قادر حتى على استعمال غاز المطبخ لإعداد شيء غير القهوة، أو بعد سكرةٍ طينة مع أصدقائك تنتهي بطبيعة الحال بطلب شير بوكس، أو اثنين، أو ثلاثة، يصل موظَّف التوصيل بعد ثوانٍ من إنهائك المكالمة حاملاً الطعام. تدفعون ثمنه وتُوزِّعون الوجبات بينكم، وقبل أن تتخلَّص من الكيس، تلاحظ وجود بعض حبات البطاطا في قعره، لتبدأ الأسئلة تنهمرُ فوق رأسك واحداً تلو الآخر.

هل تأكلها؟ أم توزِّعها بالتساوي؟ لكن أحمد أكَّد أنَّه جائعٌ جداً، هل تعطف عليه وتعطيها له؟ ما الذي سيحصل لو أكلتها فوراً دون أن ينتبه أحد؟ بالنهاية، أنت من كلَّفت نفسك عناء توزيع الوجبات وتستحقُّ شيئاً مقابل جهدك، هل ستبدو انتهازياً لو نفذت خطتك؟

نحن في الحدود،  نمرُّ بذات المعضلة، ونعاني من سرقة حسن للبطاطا المتبقية في الكيس دائماً قبل انقضاضه على عُلبنا بعد أن يلهينا بمواضيعه العميقة التافهة، لذا، استعنَّا بخبير الحدود للفلسفة الأخلاقية والأزمات الوجودية فيصل البرينسيبي ليساعدنا وإياكم، أعزاءنا القرَّاء، على إيجاد الحلِّ الأنسب.

كتب فيصل

يمرُّ الإنسان بالعديد من المعضلات الأخلاقية خلال حياته، ولنا في المدارس الفلسفية التالية من العبر والحكِم ما يساعدنا على حل الإشكاليات وتجاوزها.

مدرسة “أخلاقيات الفضيلة”

تنصُّ فلسفة الفضائل على ضرورة نبذ الإنسان لمشاعره الهدَّامة، كالغيرة والحسد والأنانية والرغبات الجنسية الجامحة وحبِّ الاستئثار بالبطاطا. وفي الحالة المطروحة أمامنا، لا بدَّ للإنسان أن يترك البطاطا في الكيس، ويخبر من يشاركونه الوجبات أنَّه غير جائعٍ ليتناولوها هم.

لكن برأيي الشخصي، لا يمكن الاعتماد على مبادئ أخلاقيات الفضيلة، خصوصاً عندما يتعلَّق الأمر بمواضيع حساسة متشابكة كقضيتنا هذه. فمن يُحدِّد ماهيَّة الفضائل؟ ومن أين نستشفُّ نظرتنا حول الصواب والخطأ؟ من قال أنَّ ترك البطاطا للآخرين هو العمل الفاضل الذي يجب علينا سلوكه؟ ماذا لو كان أحدهم ملتزماً بحميةٍ غذائية ومن شأن منحه المزيد من البطاطا التأثير على صحته سلبياً؟ هل نحرمه البطاطا عنوة؟

النفعية

المبدأ الرئيسي للأخلاقيات النفعية ينص على تحقيق أكبر قدرٍ من المنفعة لأكثر عدد ممكن من الناس، مقابل أقل احتمال إضرار بأدنى نسبة أشخاص ممكنة.

في هذا الرسم التوضيحي المُبسط، يمكن فهم المشاكل التي قد نقع بها عند تطبيق مبدأ النفعية في الحياة العملية، فهي تخبرنا أنَّ علينا حرمان الفرد من ملذَّة الحصول على المزيد من البطاطا مقابل توزيعها على الخمسة الآخرين. لكن ماذا لو كنت أنت هذا الفرد أيضاً، هل يجب أن تُضحِّي بنفسك؟ ماذا لو كانت سمر من قسم التسويق، هل ستتمكَّن من النظر بعينها بينما تقرِّر حرمانها البطاطا مقابل توزيعها على الآخرين؟

وإن افترضنا أنَّ توزيعها هو الخيار العادل والأخلاقي، ما هي آلية هذا التوزيع؟ أنقسِّمها بينكم؟ ماذا لو انتهى ذلك بحصول أحدٍ ما على حبةٍ أكثر من غيره؟ من غير المنطقي أن نحصي حبات البطاطا في عُلب الجميع لنضمن حصولهم على عددٍ متساوٍ.

في الحقيقة، يمكن تطبيق مبدأ النفعية على المُعضلات السهلة ذات الآثار الواضحة كدهس قطارٍ لمجموعة أشخاصٍ وقتلهم، بينما تعجز عن توفير إجاباتٍ واضحة للمسائل الأكثر تعقيداً كحالتنا هذه، والتي يستحيل فيها التحقُّق من كلِّ المتغيرات والتوصُّل إلى نتيجة مباشرة للخيار الذي يوفِّر المنفعة الأكبر.

الأخلاق الواجبة

تضع مدرسة الأخلاق الواجبة معايير وقواعد تُحدِّد السلوك الأخلاقي، مبسطةً بذلك الأمر على الجميع. فالأخلاقي هو ما يتَّسق مع هذه القواعد، واللاأخلاقي هو ما يخالفها. وتستمدُّ الأخلاق الواجبة هذه القواعد من مصدرين رئيسيين، الأول هو الأديان والمعتقدات الميثولوجية، والتي لم تحدِّد ما على الإنسان فعله في حالتنا هذه؛ إذ لم يذكر القرآن أو الإنجيل أو حتى قوانين حامورابي شيئاً عن توزيع البطاطا المتبقية بأكياس ماكدونالدز. وبعيداً عن الأسئلة التي تطرحها معضلات كالتي بين يدينا حول صلاحية هذه المعتقدات لكلِّ زمانٍ ومكانٍ وموقف، يقف الإنسان حائراً بلا خيارٍ سوى الاعتماد على فتاوى وتفاسير فقهاء هذه الأديان، والذين أثبتوا على مرَّ التاريخ صعوبة منحهم الثقة لاتخاذ قراراتٍ مصيرية كهذه، نظراً لانحيازهم إلى جهة ضدَّ أخرى، وسهولة إطلاقهم تعميماتٍ تحرِّم منح البطاطا لمن يؤمن بدينٍ مغاير، بل ووجوب أخذ بطاطا من علبته أيضاً.

أمَّا المصدر الثاني لهذه القواعد هو القوانين والدساتير البشرية، لكنَّها تتغير وتتبدَّل بناءً على رغبات المجتمعات ونظرتهم للأخلاق، فتجد أنَّ بلداً ما يسمح بالاستئثار بالبطاطا، بينما يعتبر توزيعها أمراً مفروغاً منه في مناطق أخرى.

كما يطرح علينا الاعتماد على القوانين سؤالاً لا مفرَّ من الإجابة عليه، ألا وهو التدخُّل الحكومي في حياة المواطنين، وما إن كان علينا السماح للسلطة بإصدار تشريعاتٍ إضافية فوق الحالية، فهل على الدولة وضع  تعليمات تُنظِّم آليات تقسيم البطاطا المتبقية في الكيس؟ وما أثر ذلك على خصوصيات المواطنين وحريَّاتهم؟

مذهب المتعة

ربما هو الأبسط بين كل المبادئ ذات الصلة؛ فالشرط الوحيد لاعتبار العمل أخلاقياً هو تحقيقه قدراً كافياً من المتعة لمنفذِّه. يؤمن أتباع هذا المبدأ بأنَّ على الإنسان فعل كل ما بوسعه ليحصل على سعادته، وألَّا يخجل من رغباته ونزواته وشهواته وحبَّه للبطاطا، طالما أنَّه لم يؤذ غيره أو يتسبَّب بضرر للآخرين خلال سعيه إلى المتعة.

وعند تطبيقنا لمذهب المتعة على حبات البطاطا، نجد أنَّك لن تؤذي أحداً بتناولها، فهم جميعاً حصلوا على البطاطا، ولم تُسرق منهم. ربما أراد لك القدر أن تحصل على المزيد منها، لأنَّك الوحيد الذي رآها وأصبح قادراً على حيازتها، وأكثر منهم تقديراً لقيمتها.

قد يرى البعض أنَّ السعي خلف المتعة الفردية يكشف عن قدر كبير من الأنانية، لكن في الحقيقة، المتعة التي سيجلبها تناولك البطاطا لوحدك أكبر بكثيرٍ من تلك التي سيحصل عليها الباقون بحصولهم على حبَّة أو اثنتين، وبذلك، تضيف إيجابيةً أكبر إلى العالم. وبناءً على ما سبق، فإنَّ احتكارك للبطاطا، شرط ألَّا يراك أيٌّ منهم وينزعج منك، عملٌ فيه من الإيثار ما يجعله أخلاقياً أكثر من غيره.

أما أنتم أعزائي، كيف تتصرَّفون بمواجهة هذه المعضلة؟ هل ترون أن هناك مدارس فلسفية تقدِّم حلولاً أفضل؟ شاركونا بتعليقاتكم.

۲
وقعت على الأرض ضحكاً
ضحكت دون أن أقع على الأرض
مؤلم
۲
إبداع
تجاوزت الحدود
۱
غبي
المذكور أعلاه
سيكون قسم التعليقات متاحاً خلال بضعة أيّام

مقالات ذات صلة