فنان جرافيتي

الفن، تلك الموهبة التي تمتّعتَ بها عزيزي القارئ في سنوات الطفولة، ثم تلاشت تدريجياً تحت ضغط العائلة والمدرسة والمجتمع والقوالب التي وضعت بها حتى تحوَّلت إلى ما أنت عليه، محاسباً أو طبيبةً أو زوجةً أو عامل نظافة أو خادماً في أحد بيوت كتّاب الحدود.

لقاؤنا اليوم، مع الشاب عثمان ريش، فنانٌ من طراز مختلف، اكتشف موهبته الفنية مبكراً جداً مذ كان رضيعا تطبطب له أمه ليستفرغ الحليب على كتفها ويستمتع بالأشكال التي تتشكل منه. عثمان متمرِّدٌ، قال لا بوجه من قالوا له سأكسر يدك إن شاهدتك ترسم على الحائط مرة أخرى يا ابن الكلب. ولم يتوقَّف عن فنه حتى عندما داهمته الشرطة وهو يرسم على لافتة قف في الشارع وكسرت يده فعلاً، ودعست على وجهه أيضاً.

الحدود: أهلاً وسهلاً بك، ونرحِّبُ بك في مكاتبنا. ما رأيك أن تخبرنا..

عثمان: طبعاً، في الحقيقة، أذكر جيداً تشجيع والديّ لي حين أحضرا لي كُرسياً خاصاً وقطعة قماش وضعاها على صدري وصحناً وملعقة، اعتقدتهما ألواناً وريشة، ورحت أرسم على القماشة وعلى وجهي والطاولة والأرض، تلك المرحلة، ساهمت بصياغة مستقبلي وفني، فقد كانت أمي تشجِّعني وتغيِّر القماشة والملابس وتزيل ما رسمته عن كل شيء لألوِّن مرة أخرى.

عندما كبرت قليلاً، أحضرتْ لي علبة ألوان ودفتر لأطوِّر مهاراتي، ولكنِّي شعرت بأن موهبتي المبكّرة كبيرة جداً، أكبر من الأوراق والدفاتر، فتركتها جانباً، وتوجَّهت للرسم على الحائط.

الحدود: هلّا حدَّثتنا عن التحديات التي واجهتها في بداية مسيرتك الفنية؟

عثمان: حين رسمت على الحائط، وبَّختني أمي ومَسحَت ما رسمته. لم أستوعب فعلتها، وصدمني التناقض بموقفها بين تشجيعي على الفن ومنعي عنه، فرسمت مرة أخرى، وأعادتْ الكرّة، وصارت كلَّما وجدتْ رسماً لي ترفع وتيرة التوبيخ وتمسحه. يبدو أن غيرتها الفنية من قدراتي كانت أكبر من أمومتها، فلم تتمكَّن من السيطرة على نفسها، وراحت تقمعني بحجة تلويث الحائط.

ولكني لم أستسلم لها …

زدتُ عدد الرسومات ووسَّعتُ المساحات التي أرسم عليها، وكانت اللحظة الحاسمة حين صادرت الأقلام وأقنعت والدي أن يدهن الحائط لتدفن فني إلى الأبد، فأخذتُ أقلام الحمرة والكحلة وعلب المكياج الخاصة بها، وملأتُ الجدران وملابسها وخزائن المطبخ والحمام برسومي. شاهدتها تنهار أمام سطوة فني، فرضختْ، وخصَّصت لي حائطاً لأرسم عليه.

الحدود: كيف صقلت موهبتك؟

عثمان: في المدرسة، توسَّعتْ مداركي، تعلَّمتُ رسم علم البلاد ووجوهٍ من كلمتيّ ملح وسهير، وقلب حب يخترقه سهمٌ طرفاه يحملان الحرفيْن الأوَّليْن من اسمي واسم حبِّي الأول، ثم خطَّطت “بسم الله الرحمن الرحيم” واسم الدرس على السبّورة قبل قدوم المعلم. حفرتُ اسمي بالفرجار على الدرج، وعاقبني المدير والمعلم. لطالما اعتبرت الفن ثورة؛ لذا، كتبتُ شعارات مناوئة لهما ولأخواتهما في الحمّامات، واشتريتُ للمرة الأولى بخاخ لونٍ لسهولة استعماله وسرعته.

الحدود: هل تعتبر نفسك صاحب مدرسة؟

عثمان: بالتأكيد، فقد اخترت اسماً فنياً يليق بفني، أوثمان ستنس، واخترعت توقيعاً مميزاً لا يمكن تحليل أحرفه، كي لا يتمكن أحد من سرقته، وها أنا أُجمَِل العالم بوضعه على أي شيء أصادفه أمامي.

الحدود: الفنان عثمان، شكراً لك.

عثمان: شكراً لكم، ويسعدني أن أوقِّع لكم أوتوغرافاُ كبيراً على هذا الحائط.

مقالات ذات صلة