مع الأسف، عزيزي القائد المستجدّ، أنت بحاجة لمداراة هذا الشعب والطبطبة عليه، تلك هي الحقيقة المُرَّة، فأنت، رغم كل ما تمتلكه من قوة، تحتاجها لتحرث عليه وتحكمه وتأخذ منه الضرائب والخدمات وتنال على ظهره قروضاً ومساعدات، ومن الضروري أن تداري مصدر رزقك.

الأمر مُجدٍ بالتأكيد؛ إذ ليس المطلوب إعطاء أولئك الدونيين شيئاً من الحقوق التي يطالبون بها والمخاطرة برفعهم إلى مستواك العالي فيتصوَّرون أنَّهم في مقامك ويطالبونك بامتيازات كامتيازاتك، لذا، يبقى خيار التنازل والهبوط لمستواهم أكثر أمناً لضمان سير أمور الدولة دون ارتباكات.

كما أنَّ الضحك على ذقون المواطنين أفضل بكثير من المعتقلات والسجون وإطلاق العنان لشرطتك وجيشك لتعذيب الناس، فتلك حلولٌ مُكلفةٌ للغاية، ومآلها غير مضمون، انظر عاقبة إساءة معاملة العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف ثاروا على أسيادهم وأجبروهم على مساواتهم بهم.

نحن نُدرك مدى كرهك للنزول إلى مستوى مواطنيك، لكنَّ الأمر أسهل مما تتصوّر؛ فالشعب قطيع خراف يسهل خداعه، ولا يحتاج سوى قليل من النظرات الحانية وابتسامات العطف والكذب الحلو القابل للتصديق لترتفع شعبيتك بينهم إلى السماء، وتتهيأ لهم جيوبهم مليئة بالنقود، وبطونهم متخمة بالطعام، وشوارعهم مُعبَّدة وغاية في النظافة، والبسطار وجنة تستحق التقبيل. وسترى كيف سيعطيك هذا القطيع نوعية أفضل من الصوف، وقدرة على تحمل حلبه أكثر فأكثر، حتى أنك ستجد لحمهم أطيب عند الأكل.

أتُريد أن تعرف كيف؟ إليك هذه الحيل التقليديّة التي لا تزال تنطلي على الشعوب، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية اصطحاب لفيف من الصحفيين والمصورين الفوتوغرافيين والفضائيات لتغطية ما ستقوم به.

١. الزيارات: لديك تشكيلة واسعة من المواقع التي يمكنك الذهاب إليها، مثل دور الأيتام ومراكز ذوي الإعاقة أو العائلات المستورة، تأكد من أخذهم المطاعيم اللازمة ونظافتهم وخلوهم من الأمراض. تجاوز شعورك بالقرف وعانق الناس وقبلهم وابتسم في وجوههم واحمل الأطفال وداعبهم، فتظهر أباً حانياً على الشعب.

يمكنك أيضاً، زيارة مراكز حكومية بين الحين والآخر. لا تتردد بالتعليق على قذارة الجدران ودورات المياه وتسيُّب الموظفين وتعطيلهم لمصالح المواطنين، أبدِ ملاحظاتك بغضب، فالمواطنون حاضرون، وسيشهدون انفعالك جرّاء تعرضهم لظروف لم ولن تمرَّ بها.

٢. الصلاة في الجامع خلال الأعياد الدينية: قف في الصفّ الأول، حرِّك فمك وكأنك تصلِّي، أعانك الله، طأطئ رأسك قليلاً، واركع مع المصلين وقف معهم، مثِّل الخشوع بإتقان، فهو من أهم المقاييس التي ينظر إليها الناس ليقتنعوا بأنك زعيم مؤمن تتقي الله وتستحق ولاءهم.

٣. تناول وجبة في مطعم شعبي: سيعتقد المواطنون أنك مستعد لتناول طعام كالذي يأكلونه ومن ذات المطاعم التي يرتادونها، دون أن تخاف التسمم، لكن، تأكَّد من إشراف طبَّاخك الشخصي على إعداده في قدور خاصة، بعد إغلاق المطعم وانتشار حرسك كزبائن عاديين فوجئوا برؤيتك بينهم.

٤. التبرُّع بالدم: أعلِم إدارة مستشفى حكوميٍّ بمجيئك ليعقِّموا الشوارع والجدران والأسرَّة والمرضى والأطباء، واحرص على اصطحاب طبيبك الخاص تفادياً للأخطاء الطبية، تمدَّد على السرير وقُل: دمائي فداء لكم. إن انتشار صورك ومقولتك هذه ستتحول لتقارير إخبارية وملصقات تملأ الشوارع وتبهر الناس بمدى استعدادك للتضحية والبذل من أجلهم.

من الجيِّد أيضاً أن تستغلَّ وجودك في المستشفى مع المصورين والصحفيين وتدخل غرفة مريض لتمسِّد على رأسه وتربِّت على كتفه وتحرِّك وجهك بطريقةٍ توحي باهتمامك بحالته وتمنياتك له بالشفاء العاجل، فتضرب بذلك عصفورين بحجر.

٥. قيادة السيارة: وجّه سائقك للترجّل من السيارة ومسح المقعد الجلدي وخذ مكانه لتنطلق في جولة حول قصورك برفقة العائلة أو أحد الضيوف، فتترك انطباعاً بأنك مثل البقية، قد تعلق في الازدحامات المرورية، وأنك لا تولي اهتماماً للمظاهر الزائفة والمصاريف الزائدة مثل تعيين سائق خاص كما يفعل البرجوازيون. لا تقلق، لن يُسمح لأحد بالقيادة بجانبك أو حتى المشي في الشارع الذي ستسير فيه باستثناء ضابط المخابرات بالزي المدني الذي ستقف، بكل تواضع، لتشحن له بطارية سيارته.

٦. إقالة المسؤولين: من المفترض بك كقائد، أن تتفرَّغ للسفر والتنزُّه وشمِّ الهواء وقطف الورد، إلا أن المواطنين، لسبب ما، يصرُّون على تجاهل رئيس حكومتك ووزرائك ومخابراتك والنواب، معتقدين أنك الكل بالكل، وأن أحداً من هؤلاء لا يجرؤ على المضي قُدُما بقرار دون موافقتك، وهو ما يوجِّه احتقانهم من ظروفهم البائسة ضدك، لذا، كلما تململوا وتجمَّعوا في الشوارع للتظاهر، اجمع بعض المسؤولين على شاشات التلفاز وحمِّلهم مسؤولية تردّي الأوضاع وبهدلهم وأمرهم بتقديم استقالاتهم، لا عليك بمشاعرهم، فأنت ستضعهم في مناصب أخرى، ثم عيِّن آخرين مكانهم، فيهدأ الناس ويقتنعون بحصول تغيير رغم استمرار القرارات التي فجَّرت غضبهم.

مقالات ذات صلة