اشتكى الشاب مراد زطارم من ثرثرة زميله علاء جغانيف الذي بات حديثه الذي لا يتوقف كابوساً لا يمكن احتماله.

وقال مراد لمراسنا إن علاء كثير اللغو “يتدفق بالحديث ولا يتورع عن رمي الهراء في أي موقع وبمناسبة أو بدون مناسبة حتى مع أشخاص بالكاد يعرفهم بل ويستطرد بشرح التفاصيل وكأنه ابتلع مذياعاً، وليته يتحدث بأمور مفيدة. لقد علَّمني جدي مُحسن أبو ميسون الذي توفي عام ٢٠٠١ بجلطة قلبيّة وهو لم يتجاوز السادسة والخمسين من عمره وكان مفعماً بالحيويّة وكأنه شاب في العشرين، والذي حضر عزاءه أفواج من الناس؛ إذ ذاع صيته بين الناس لحكمته وذكائه، وكان رحمه الله يُعاير أبناء جيلنا دائماً ببلادتهم وكسلهم ويُخبرنا كيف كان يقطع عشرين كيلومتراً إلى المدرسة مشياً على الأقدام ذهاباً وإياباً دون أن يغيب يوماً واحداً عن صفّه حتى لو تساقطت الأمطار والثلوج أو مرض وارتفعت حرارته للأربعين مئويّة، فقد كان مُحبّاً للعلم مُلتزماً بدوامه وواجباته وليس كزميلي علاء الذي يتحيّن الفُرص ليغيب عن دوامه ويُحمِّلني أعباء عمله، مع أن حضوره وغيابه واحد، إذ يقضي يومه بالثرثرة دون أن يعي أننا لسنا مُتفرغين للحديث مثله. هل أخبرتك أن أفواجاً من الناس الذين يعرفون مدى حكمة جدّي وذكائه حضروا لتعزيتي به؟ المهم، علّمني، ألف رحمة على روحه الطاهرة، الفاااتحة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) آآآآآآآمين. علمني أن كل كلمة يقولها المرء يجب أن تكون محسوبة وفي مكانها الصحيح لتفيد الناس، وسيدنا علي تمنى لو أن لديه رقبة الزرافة لكي تأخذ الكلمة وقتها قبل أن تخرج من جوفه. ليت علاء مثل جدي الذي كان يحفظ كلام الصحابة وآل البيت ويُطبّقه في حياته، فهو يتحدّث في الدين، دون أن يكف عن النميمة واستغابة الناس وذكر معايبهم والسخرية منهم وكأنه فريد عصره وليس شخصا بأسنان فرق وأذنين مضحكتين فقَدَ وظيفتين قبل أن يحظى بهذه الوظيفة المهمة التي سيفقدها بالتأكيد لو استمر على هذا المنوال”.

وأضاف “لا يكف علاء عن الحديث حول كل تفصيل في حياته وكأن الناس لا شغل لها سوى سماعه. لقد استيقظت صباحاً دون أن آخذ كفايتي من النوم وبالكاد تمكَّنت من فتحت عينيَّ ثم تثاءبت ووضعت يدي على فمي ورفعت يدي اليمنى وفركت بها عيني اليمنى، وعندما هممت بإعادتها تحت اللحاف تذكرت أن الحكة في عيني الشمال مازالت موجودة فعدت لحكها مجدداً بيدي اليمنى مع أنه كان بإمكاني توفير الوقت بحكهما بيدي الاثنتين. على كل حال، هذه جزئية غير مهمة، فقد توجهت إلى الحمام لأغسل وجهي ولكني اكتشفت أن أخي في الداخل فانتظرته لربع الساعة، من المؤكد أن الحقير كان يدخن فيه بدلالة عثوري على فلتر سيجارة في سلة القمامة، وعندما انتهيت، شاهدت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة وربع، فتأكدت من الساعة في يدي وتلك التي في الهاتف وكذلك الموجودة على شاشة المايكرويف ثم عدت لأتأكد من ساعة يدي مع أنني رأيتها سابقا لكن لا أعلم ما الذي دهاني هاهاها فذاكرتي قصيرة هذه الأيام، وكل هذا بسبب ذلك الثرثار الذي لا يكف عن الحديث عن الناس أو خطيبته سميرة التي تريد أن يقيما عرسهما في فندق بدلاً من صالة أفراح وكأنها أميرة متناسية أن والداها أقاما عرسهما على سطح البناية ولم يقدما للضيوف سوى قطعة جاتوه بائسة وعصير مغشوش، حتى أن ثوب والدتها كان مستأجراً. على العموم، ودون أن أطيل الحديث، استيقظت من نومي وذهبت إلى الحمام وكان الماء بارداً لأني نسيت تشغيل السخان وغسلت وجهي بالماء والصابون فدخل الصابون إلى عينيَّ وعادت الحكة إليهما مجدداً، فحككتهما، وارتديت بنطالي الكحلي وجوربي البني بدلاً من الأبيض المتسخ الذي نسيت أمي غسله منذ ثلاثة أيام، ثم ارتديت حذائي وشربت القهوة واتجهت نحو الباب وفتحته وغادرت إلى العمل، وأنا فعلاً لا أملك المزاج ولا الطاقة لسماع كل ما يقوله علاء. وأتمنى أن يعرف أن الإكثار من الكلام يجعل من الحديث ركاماً من الأصوات المبهمة المزعجة التي يستحيل الاهتمام بها أو بِقائلها”.

مقالات ذات صلة