بقلم أم جعفر – مع شكر خاص لأبو جعفر

إنها الثانية عشرة والنصف ظُهراً، خرجت من مطبخي، مُستغلَّةً غياب ولي أمري أبو جعفر، لأستنشق بسرعة بعضاً من الهواء العليل في غُرفة الجلوس، قبل العودة ثانية إلى المطبخ لأُعدَّ له الطعام له قبل مجيئه.

كُنت في غاية القلق، ليس لأنني مُحتارة فيما أطبخ له هذا اليوم، بل لأن الحيرة تعني التأخير، وذلك يعني أن يحضُر قرّة عيني ولا يجد الطعام اللذيذ الساخن في انتظاره على الطاولة ليأكله، فأُضطرَّ لأكل أحذيته وعصيّة وسياطه. فكّرت بذلك، قبل أن تقع عيني على التلفاز، وقلت لنفسي، حسناً، أعلم أنه حرام على النسوة، ولكن الضرورات تُبيح المحظورات، ولا ضرورة أكبر من إطعام أبو جعفر.

أمسكت جهاز التحكّم عن بعد بقلق وريبة، إذ لم يسبق لي أن شغّلت التلفاز منذ أن ضربني أبو جعفر ونهاني عن مشاهدته قبل أعوام، شغّلته ورحت أُقلّب القنوات، وياللمُصيبة، ما الذي أراه؟ أيُعقل ذلك؟ ما الذي يفعلنه؟ لقد رأيت نساء خرجن إلى الشارع وأخذن يصرُخن بأعلى أصواتهن فيما تبدو أنها مُظاهرة. صعقت من هول المشهد، ورميت الريموت أرضاً ونسيت أمر الطبخ من هول ما رأيت.

أيُعقل أن يحصُل هذا في القرن الواحد والعشرين! بعد كُل الجهود التي بذلها أبو جعفر ورفاقه في ساحات الوغى، ومُحاربتهم للرذيلة ونشرهم للفضيلة، هل اقتربت الساعة؟ لقد شعرت بالدم يغلي في عروقي من شدَّة الغضب، قبل أن ألحظ شيئاً غير متوقّع، كانت المتظاهرات يهتفن ضد المُساواة ويؤكدن أنّ ذلك مُخالف لشرع الله، وسُرعان ما خرج المُذيع ليزُف البُشرى، إنها مُظاهرة في تونس ضد قوانين جديدة تمنح المرأة المُساواة في الإرث، وتُعطيها حقَّ الزواج بغير المُسلم.

تالله إني تمنّيت لو أنَّني معهنَّ في الشارع، فقد آن لنا نحن النساء الصابرات المُؤمنات المُرابطات خلف المجلى أن نخرج من مطابخنا إلى الشارع، لنقف صفّاً واحدا خلف الرجال نُدافع عن حقوقهم الشرعيّة، ولا نُبارح أماكننا حتى يعود الحقُّ لأصحابه.

إن الخروج على هذه القوانين فرض عين على كُل امرأةٍ مؤمنة، وإلا فإننا قد نخسر السيادة على مطابخنا وحمَّاماتنا، ونُرمى في الشارع كاسياتٍ عاريات لنعمل كالرجال دون أن نجد فحلاً يؤدِّبنا ويقوِّمنا.

دبَّ الحماس في أوصالي وبدأت أُشارك تلك النسوة صرخاتهن، لقد كانت نشوة كتلك التي تشعر بها النسويَّات الفاسقات. ولا أجد في ذلك حرجاً، فأنا استخدم أدواتهنَّ لمُحاربتهن. أجل، وأنا سأثور أيضاً وأهتف بأعلى صوتي العورة بأنني أمةٌ عورة، وحتى لو كان فتنة، فلا فتنة أشد مما يدعوننا إليه.

وبينما أنا أصرخ وألعن المرأة ويوم المرأة، وإذ بأحدهم يلمس كتفي، نظرت خلفي وإذ بأبو جعفر، يا إلهي! كدت أخرُّ صريعة من هول المصيبة، لكنه ابتسم وقال هامساً، أكملي. فرحت كثيراً أن بعلي يُشاركني نفس الرؤية، إنها المرّة الأولى في حياتي التي يُساعدني فيها عقلي الناقص على اتخاذ قرارٍ صحيح، عُدت للهُتاف مُجدّداً ورحت أقفز من مكاني وصوتي يعلو ويعلو إلى أن صمّ آذان جيراننا العلمانيّين الفاسقين.

ألهذه الدرجة تحبينني يا أُم جعفر، قاطع أبو جعفر هُتافي. بل وأكثر، إنها والله لطامّةٌ كُبرى، وإيماني وضميري يُحتِّمان عليّ ألّا أجلس مكتوفة الأيدي في المطبخ وأنا أرى عرشك وسيادتك على مصيري يُسلبان منك، بأيدي أخواتك اللواتي قد يُنافسنك على الميراث ويتزوّجن على ذوقهنَّ من غير من ترضاه لهن.

بوركتِ من أمةٍ صالحة، والله إنك لنعم الزوجة، حسناً ما رأيكِ بغداءٍ رومنسي لنرتاح سويّاً ونتسامر، قالها أبو جعفر بلكنةٍ ملؤها الحُب، ولكن هول ما قامت به تلك النسوة أنساني أمر الغداء، فلا وقت للطعام في مثل هذه الظروف العصيبة، لنأكل أي شيء من حواضر البيت.

ما كِدت أن أنهي كلامي حتى باغتني أبو جعفر بنطحة قويّة رمتني أرضاً وأسالت الدم من وجهي، ويحكِ أيتها العورة كيف تنسين أمر الغداء،  لم لم تطبخي بدلاً من التفوّه بتلك التُرهات، ومن استشارتكِ أصلاً؟ كيف تجرؤين على التفكير والمُبادرة والاحتجاج قبل أن آذن لكِ؟ ما الذي دهاكِ لتُشغِّلي التلفاز؟ لعنة الله عليكِ يا ناقصة العقل والدين، أين وضعت العصا، أين؟.

مقالات ذات صلة