القرّاء الأعزّاء، وردنا قبل قليل سؤال من أحد المُتابعين، نتحفّظ عن ذكر جنسه منعاً لإثارة الشهوات المُحرّمة لدى المُتابعين، حول جواز تنفّس هواء كان قد تنفّسه شخصٌ من الجنس الآخر. تالياً، نترككم مع ما تفضل به سماحة المفتي العلّامة الداعية فضيلة مولانا الشيخ مدرار أفاضل والذي تصدّى مشكوراً للإجابة.

يعتقد الكثيرون، واهمين، أنّ الهواء الذي نتنفسه مجرّد خليط غازات مكوّن من اتحاد ذرتي أكسجين مع نيتروجين وبُخار الماء وعوادم السيارات ورائحة المجاري والطعام. لكنّه على أرض الواقع أعقُد من ذلك بكثير، ويحمل في نسماته الكثير من شبهات التحريم، فلم يكذب الشعراء والمطربون حين تغنّوا به ونظموا قصائد الشعر الماجنة للدلالة على الحب، فهذا عبد الحليم يشدو آه ما رمانا الهوا وتعبنا، واللي شبكنا يخلصنا، واللي شبكنا يخلصنا، واللي شبكنا يخلصناااااا، شاغااالبالي، آيا حبيبي، شاغااالبالي، آيابايابا. فالهواء بالفعل كفيل برميه هو ومن يسمعونه في الدرك الأسفل من النار، إن لم يتوبوا لله توبةً نصوحة ويتوقّفوا عن أكل الهواء.

بالعودة إلى جواب السؤال، فإنّ تنفّس الهواء، يعني أنّ جزءاً منه سيكون قادماً من جوف شخص ما من الجنس الآخر، سواء كان هذا الأحدهم في نفس الغرفة أو المبنى أو الشارع، وهو ما يعني أن هذه العملية تخضع لضوابط كثيرة، لا يجوز تجاهلها والتغافل عنها، وسنُفصّلها لكم إخوتي المؤمنين.

١.كيفيّة خروج الهواء: إذا ما بادر الشخص الذي أمامك فور رؤيتك بأخذ شهيقٍ عميق ثُمّ أخرج زفيره ببطء، فهو بالتأكيد يُعبّر عن تحرّك مشاعره تجاهك وإطلاقه لشهوته الجنسيّة، ومن الواجب عليك كتم أنفاسك ومغادرة المكان بسرعة، قبل أن تستنشق ذبذبات الحب والغرام الصادرة منه.

أما إن لم يأخذ ذاك الشخص شهيقاً، واكتفى بإطلاق زفير على شكل أفأفة، فهو دلالة على عدم إعجابه بلباسك أو سلوكك أو شكلك القبيح، ولا مانع من تنفّس هوائه، فهو مليء بثاني أكسيد الكربون المُسبب للاختناق وغير المُثير للشهوة.

٢. الكلام المُرافق للتنّفس: فإن أردف المُتنفّس كلماتٍ مثل استغفر الله العظيم أو حسبنا الله ونعم الوكيل أو لا حول ولا قوّة إلا بالله أو ما هذا القرف، فلا مانع من الاقتراب من هذا الشخص والغبّ من هوائه، لما فيه من نفحاتٍ إيمانيّة. أما إن أردف أدعية مثل الله يحرسك، الله يحميك، يا الله، فهذه إشاراتٍ إعجاب ولا يجوز معها تنفّس هوائه.

٣. الفلترة: كأن يكون الهواء قد مرّ بحاجزٍ قبل الوصول إليك، كنقاب امرأة أو لثام مُجاهد أو كمامات طبيب أو ممرضة حسناء. وفي هذه الحالة يعتمد الأمر على سُمك ذلك الحاجز، فإن كان رقيقاً فهو بالتأكيد حرام، أما إن كان سميكاً فهو حلال، ما لم يكن ذلك الحاجز مُعطّراً برائحة عطر للجنس الآخر.

٤.رائحة الهواء الخارج منه: هناك هواء يعبق برائحة البصل أو الثوم أو الفول، ولا يجب تنفّسه لأسباب نفسية لا علاقة لها بالحلال والحرام. وإن كان بلا رائحة فاستفت قلبك، أما إن كان عطراً زكيّاً فهو حرام بالتأكيد.

٥.التنفس الاصطناعي: قد يقول قائل إن الضرورات تُبيح المحظورات ولا ضير من وضع الإنسان شفتيه على شفتي شخص آخر ويُعطيه بعض الاكسجين لإنقاذ حياته. إنّ هذا وجه من وجوه الزنى والعياذ بالله، وهو محرّم قطعيّاً. فلو كان الشخص المغمى عليه من نفس الجنس فهو شذوذ صريح، أما إن كان الشخص من محارمك فالإثم أعظم لأنه يعتبر زنى محارم. لذا، عندما تواجه حالة مماثلة، اكتف بالدعاء للمريض بالرحمة، فتنفّس الهواء المرافق للدعاء ليس مُحرّماً، والله أعلم.