جاسر عفطون – خبير الحدود لشؤون التايم مانجمنت

يعاني الكثيرون من مشكلة كبيرة، وهم يعانون لأنها مشكلة، وكبيرة، وتمتدّ لأربع وعشرين ساعة في اليوم، وبشكل يومي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن تجاوز ساعة واحدة في اليوم يحتاج جهداً هائلاً، فما بالك، أيها القارئ العزيز، إن كانت أربعاً وعشرين ساعة، ساعة تنطح ساعة، يجب أن تمضيها كلّها، لأن الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك وفرمك وقلّاك مع ثوم وبصل وبهارات وابتلعك بغتةً، لا من شاف ولا من دري.

لذا، أكتب اليوم هذا المقال، لأساعدك على تجاوز تلك الساعات. لن تستغرق قراءته سوى خمس دقائق، أما إن طالعته بتروٍ لمعرفة ما بين السطور، ستحتاج ربع ساعة، وفي حال أعدت المطالعة مرة أخرى لترسخ المعلومات بذهنك، ستتجاوز نصف ساعة دون أن تضطر لإصلاح الحنفية أو رمي القمامة أو تغيير حفاض طفل أو التفكير بكم الملل الذي تشعره لدى مشاهدتك المسلسل الجديد أو طرح معضلات كبرى لا داعي لها مثل السؤال الذي أجيبك عنه.

كيف إذاً يمكنك تجاوز تلك الأربع وعشرين ساعة الأصعب خلال الْيَوْمَ؟ الأمر بسيط للغاية، وما عليك سوى اتباع سلسلة من التصرفات للتغلب عليه ولمس النتائج الباهرة.

في البداية، لا يفوتني احتساب ساعات النوم من الثانية عشرة وحتى التاسعة صباحاً، يجب معرفة أن ساعات النوم مساحة محرّمة حتى على الأقربين، إياك أن تسمح لشيء وضيع مثل المنبّه أن يحرمك حقك، ادفنه تحت السرير أو خارج النافذة، وتأكد أن تتجاوز موعد الاستيقاظ بساعة.

خذ وقتك بشرب قهوة الصباح وتنظيف أسنانك، سنّاً سنّاً، وتأمّل بالمرآة حبّة الشباب التي ظهرت فجأة أو اختفت منذ يومين، أو الشعرة البيضاء التي غدرتك وظهرت بمؤخرة رأسك، أو تفَكَّر بالتجاعيد الجديدة خلف أذنك، وفي الطريق إلى أشغالك اليومية، قد السيارة على مهلك أو اذهب بالمواصلات العامة، لتصل متأخراً ساعة على الأقل، وبهذا، تكون قد أمضيت عشر ساعات دون بذل أي جهد.

في العمل، سلّم على زملائك دون النظر إلى وجوههم أو سؤالهم عن حالهم وصحتهم وأمور عائلاتهم، قد تعتقد أنَّ قيامك بعكس ذلك يمرّر بعضاً من الوقت، لكن تذكّر أن سماع صوتهم البغيض سيجعل الوقت يمرّ بوتيرة أبطأ.

أحضر قلم رصاص لتكتب ملاحظاتك، واذهب لاستعارته من زميلك، ثم ابرِهِ جيداً، مرتين أو ثلاثاً، حتى تتأكد أنه رأسه صار مدبّباً، قبل أن تكسره وتكرّر العملية من جديد، ثم تتذكّر أنك تستعمل قلم حبر في العادة.

في اللحظة التي تهمّ بها للكتابة، اذهب للحمام حتى لو لم تكن بحاجة لذلك، اطلب مغادرة طارئة لصعوبة دخول حمام العمل القذر، واحرص ألّا تصطحب معك صحيفة يومية أو كتاب مئة نكتة ونكتة، إذ من الممكن أن تتحرّك أمعاؤك وتنتهي حاجتك للبقاء في الحمام لأطول وقت ممكن، يمكنك قراءة مكوّنات علب الشامبو والصابون ومواد التنظيف، والتفكير بمعنى كبريتات ثنائي إيثيل لوريث الصوديوم.

إن هذا الوقت الذي استهلكته منذ خروجك من العمل إلى أن أدركت أنك لا تفقه شيئاً بالكيمياء وعدت لعملك، يجب أن يستغرق ثلاث ساعات على الأقل، لأنك لن تذهب وتعود بسرعة، إذ من المعروف أن في التأني السلامة.

بعدها، عليك الانتباه إلى أهمية شرب لترين من الماء يومياً للحفاظ على صحتك ونضارة بشرتك، والنظر إلى ملف أو اثنين وتأجيل البتّ بأمرهما إلى الغد حتى تتمكن من اعطائهما وقتاً كافياً من الدراسة والتحليل، ثم زيارة زملائك والاطمئنان على صحتهم لأنك ابن أصول ولا يفوتك القيام بالواجبات الاجتماعية.

بعد ذلك، يمكنك أن، هففف، هفففففففف، يمكنك أن، حسناً، من المستحيل أن ينتهي اليوم، وستضطرّ في الساعات المقبلة لمصارعة التيارات العاتية والمتضاربة من الغضب والحزن والقرف وسائقي سيارات الأجرة والأصدقاء والملل والنعاس والأوضاع السياسية والأقساط الشهرية والمسلسلات.

ماذا تفعل بهذه الحالة؟ ماذا أنت فاعل؟ أرجو مشاركتي بآرائك لأن الوقت يمرّ ببطءٍ شديد ويبدو أنَّ محاولة كتابة أي كلامٍ إلى أن ينقضي باءت بالفشل.

مقالات ذات صلة