كتب دبّاع الجندب

من المعروف لكلّ وطني شريف أنّ القُدس محفورةٌ في قلوب وعقول وأكباد الحُكّام العرب ويسري حُبّها بشرايينهم وإشاراتهم العصبيّة، على عكس التهم التي يكيلها لهم الخونة بأنّهم باعوا فلسطين والقدس بثمنٍ بخس مُقابل صفقات سلاح ومساعدات وموعد عشاء مع ترامب في البيت الأبيض برفقة ابنته الحسناء.

ما لا يعلمه كثيرٌ من الناس، ويتغاضى عنه العملاء، أنّ ترامب أراد نقل السفارة الأمريكيّة إلى حرم المسجد الأقصى، مسرى رسول الله أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وحاول مراراً وتكراراً تنفيذ مخطّطه الخبيث لولا وقوف القادة العرب بوجهه وإجبارهم له على التراجع عن قراره، ليقيمها في إحدى ضواحي القدس الهامشيّة مكان القُنصليّة الأمريكيّة.

لقد تقاسمت القيادات العربية الاستراتيجيات التالية فيما بينها، والتي لا تخطر حتّى بخيال أكثركم جموحاً، لتشويش عقل ترامب وخلط أوراقه ووقف مؤامرته:

١. تجاهل القرار: فلم يُعطوا أهميّة لإعلان ترامب قبل أن يُنفّذ القرار، بل وأكّدوا له خلال اجتماعاتهم المغلقة بأن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى ليسوا ضمن أولويّاتهم، أوهموه بتمسحتهم وانشغالهم بسحق شعوبهم وحروبهم مع إيران واليمن وشعوبهم، وهو ما دفع الأقرع أبو غرّة للاعتقاد أن إقدامه على أيّ تصعيد لن يستفزّ العرب، فامتنع عن إنفاق المزيد من المال لاستملاك الأقصى وتحويله إلى سفارة.

٢. الإصرار على استمرار أمريكا برعاية عملية السلام: رغم رفعهم نبرة صوتهم وإصدارهم بياناتٍ تُدين القرار، إلا أنهم لم يتهوّروا ويقعوا بالفخ الذي نصبه لهم ترامب بإحكام، لقد أرادهم أن يُلغوا اتفاقيات السلام وينسحبوا من أوسلو ووادي عربة وكامب ديفيد ويُعلنوا الحرب عليه، ليتحلّل من التزاماته وتخلو الساحة له ويبني سفارته بأيّ مكان يريده.

٣. التنسيق مع إسرائيل: والحرص على التطبيع معها، وإرسال المجموعات السياحيّة إلى الأقصى ليرفدوا الاقتصاد الإسرائيلي بالمال والعملة الصعبة، الأمر الذي أقنع ترامب بإبقائه مكاناً للمسلمين، والاكتفاء بالسماح للمستوطنين باقتحامه من حين لآخر.

٤. إشعالهم الحروب والخلافات فيما بينهم: من المؤكّد أن ترامب ارتعش خوفاً لدى رؤيته فتك القادة العرب ببعضهم وبمواطنيهم، وشنّهم أقسى حملات المُقاطعة بحقّ أشقّائهم، وراح يتخيّل كم ستكون الأمور كارثيّة إن قرّروا استهداف أمريكا وإسرائيل، وهو ما أجبره على التخفيف من إجراءاته والتراجع عن الخطوة.

في النهاية، لو أمعنّا النظر وبحلقنا جيّداً، سنجد أنّ نقل السفارة إلى القُدس سيصبّ بصالح القضيّة الفلسطينيّة، فحين نتمكّن من تحرير فلسطين شبراً شبراً ونعلن القدس عاصمةً لها، ستكون السفارة الأمريكيّة جاهزةً بمساحتها الكبيرة وسفيرها وطاقمها الدبلوماسي الضخم بانتظارنا، دون أن نتعب بنقل تلك القنصليّة الموجودة في رام الله إلى القُدس.

 

مقالات ذات صلة