علي الكركي وأحمد الشريف – خبيرا الحدود لشؤون ما وراء الوظيفة

يختلفُ كثيرٌ من النَّاس حول إجابة هذا السؤال، وتتعدَّد المدارس الفلسفيَّة التي تُعطي كلٌّ منها نظرةً مختلفة لمآل الموظَّفين بعد انتهاء دواماتهم، ففي ظلِّ غياب الأدلّة العلميّة الملموسة على وجود هذه الحياة، يقف الإنسان أمام تكهّناتٍ واعتقاداتٍ لما سيحدث بعدما يدقُّ جرس الساعة السادسة وتتوقَّف أجهزة البصمات عن العمل معلنة مجيء أجل الدَّوام.

لعلَّ أشهر هذه المدارس تلك التي تؤمن بأنَّ الموظَّف الحَسَن يغادرُ الشركة ذاهباً للدار الآخرة، حيث يطلب ما يشاء من وجبات المطاعم السريعة والأرجيلة في راحة منزله. بينما يساقُ من أذنبوا بكونهم فقراء لمشقَّة عملٍ آخر تحت إمرة شياطين مَهمِّتهم تعذيبهم بالطلبات والأوامر، طعامهم فلافلٌ وفولٌ لا يُسمن ولا يُغني من جوع وشرابُهم شايٌ باردٌ وقهوةٌ رديئة علقم.

تبدو هذه الفرضية للوهلة الأولى منطقيّة، إذ يعتقد المرء أنَّ الموظف الجيد سيعيش بعد الدوام حياة رغيدةٌ، إلا أنَّه لا يدرك حقيقةَ أنَّ الاختيار بين شاورما اللحم أو الدَّجاج كل يوم وبشكل دوري لا يعدُّ حياة. فما جدوى هذه العمليَّة برمِّتها وما مدى منطقيِّتها؟ ولماذا علينا، إن أردنا الحصول على الشاورما، أن نعمل ثماني ساعاتٍ يوميَّاً؟ لِمَ لا نحصل عليها مباشرةً؟ ألن نصاب بالملل إن تناولنا الشاورما يوميَّاً وجرَّبنا كافة مطاعم البلاد ومقاهيها؟

أما أتباع المدرسة الفرعونيّة فيحصرون الحياة بالمدراء والمستشارين وعليَّة القوم، وهو ما يفسِّر تمسّك أتباعها بكراسيهم إلى الأبد، واحتكارهم الطوابق العليا من المباني مُستقراً لهم، إذ يعتقدون أنَّ ذلك يقرّبهم للسماء ويجعلهم أجدر بالعيش. لكنَّ هذه النظرية تفترض أنَّ بقية البشر كائنات مسخّرة رُفع عنها القلم تماماً لا تمتلك أرواحاً تذهب إلى أي حياة بعد انتهاء الدوام.

وترى مدرسة أخرى أنَّ الحياة بعد الدوام ليست سوى دوامٍ آخر، وأنَّ الموظفين يغادرون مكاتبهم وأماكن عملهم لبرهة غير محسوسة فعلياً ليعودوا إليها، يوماً بعد يوم، يحومون بدوامةٍ من الأيّام المتطابقة في دورة لا نهائيَّة دون أن يعيشوا حياةً ولو للحظة واحدة.

من ناحيةٍ أخرى، يرفض أتباع طوائف أخرى كلّ ما سبق، فهم بحسب معتقداتهم، يدخلون بعد دوام بضعة سنوات باب مكتبٍ آخر بزيٍّ جديدٍ ووظيفةٍ أخرى بمنصبٍ مختلف، بناءً على أدائهم وإنجازهم مهامّهم خلال فترة الدوام الأولى، فإن لم يكن جيداً سينتهي بهم المطاف بقسم الأرشيف أو أحد المستودعات. هذه خرافة ابتدعها مدير قسم الموارد البشريَّة في إحدى الشركات أملاً بتحفيز الموظَّفين وإيهامهم بإمكانية الحصول على ترقيةٍ أو علاوة في المستقبل إن أحسنوا البلاء، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى الشركات الأخرى.

أمّا آخر النظريات التي عثرنا عليها تفترض وجود مهربٍ من دورة العمل اللانهائية، ورغم أنَّها كالنظريّتين السابقتين مبنيَّةٌ على دورات الحياة، إلَّا أنَّ من يؤمنون بها يتمتعون بقدرٍ عالٍ من التفاؤل والأمل أدى بهم للاعتقاد بأن انتقالهم هذا يشمل تغيير المهنة أيضاً، فيعمل الواحد منهم مهندساً قبل أن تنتقل روحه لجسد حمار شغلٍ ثمَّ فأراً أمام مديره ثم محاسباً، وهكذا دواليك حتى يصل النيرفانا ويرى الضوء الأبيض ويغادر عالمنا هذا إلى غير رجعة.

 

مقالات ذات صلة