هل هناك أية أدلّة على وجود حياةٍ بعد الدَّوام؟ الحدود تسأل والحدود تجيب | شبكة الحدود
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

علي الكركي وأحمد الشريف – خبيرا الحدود لشؤون ما وراء الوظيفة

يختلفُ كثيرٌ من النَّاس حول إجابة هذا السؤال، وتتعدَّد المدارس الفلسفيَّة التي تُعطي كلٌّ منها نظرةً مختلفة لمآل الموظَّفين بعد انتهاء دواماتهم، ففي ظلِّ غياب الأدلّة العلميّة الملموسة على وجود هذه الحياة، يقف الإنسان أمام تكهّناتٍ واعتقاداتٍ لما سيحدث بعدما يدقُّ جرس الساعة السادسة وتتوقَّف أجهزة البصمات عن العمل معلنة مجيء أجل الدَّوام.

لعلَّ أشهر هذه المدارس تلك التي تؤمن بأنَّ الموظَّف الحَسَن يغادرُ الشركة ذاهباً للدار الآخرة، حيث يطلب ما يشاء من وجبات المطاعم السريعة والأرجيلة في راحة منزله. بينما يساقُ من أذنبوا بكونهم فقراء لمشقَّة عملٍ آخر تحت إمرة شياطين مَهمِّتهم تعذيبهم بالطلبات والأوامر، طعامهم فلافلٌ وفولٌ لا يُسمن ولا يُغني من جوع وشرابُهم شايٌ باردٌ وقهوةٌ رديئة علقم.

تبدو هذه الفرضية للوهلة الأولى منطقيّة، إذ يعتقد المرء أنَّ الموظف الجيد سيعيش بعد الدوام حياة رغيدةٌ، إلا أنَّه لا يدرك حقيقةَ أنَّ الاختيار بين شاورما اللحم أو الدَّجاج كل يوم وبشكل دوري لا يعدُّ حياة. فما جدوى هذه العمليَّة برمِّتها وما مدى منطقيِّتها؟ ولماذا علينا، إن أردنا الحصول على الشاورما، أن نعمل ثماني ساعاتٍ يوميَّاً؟ لِمَ لا نحصل عليها مباشرةً؟ ألن نصاب بالملل إن تناولنا الشاورما يوميَّاً وجرَّبنا كافة مطاعم البلاد ومقاهيها؟

أما أتباع المدرسة الفرعونيّة فيحصرون الحياة بالمدراء والمستشارين وعليَّة القوم، وهو ما يفسِّر تمسّك أتباعها بكراسيهم إلى الأبد، واحتكارهم الطوابق العليا من المباني مُستقراً لهم، إذ يعتقدون أنَّ ذلك يقرّبهم للسماء ويجعلهم أجدر بالعيش. لكنَّ هذه النظرية تفترض أنَّ بقية البشر كائنات مسخّرة رُفع عنها القلم تماماً لا تمتلك أرواحاً تذهب إلى أي حياة بعد انتهاء الدوام.

وترى مدرسة أخرى أنَّ الحياة بعد الدوام ليست سوى دوامٍ آخر، وأنَّ الموظفين يغادرون مكاتبهم وأماكن عملهم لبرهة غير محسوسة فعلياً ليعودوا إليها، يوماً بعد يوم، يحومون بدوامةٍ من الأيّام المتطابقة في دورة لا نهائيَّة دون أن يعيشوا حياةً ولو للحظة واحدة.

من ناحيةٍ أخرى، يرفض أتباع طوائف أخرى كلّ ما سبق، فهم بحسب معتقداتهم، يدخلون بعد دوام بضعة سنوات باب مكتبٍ آخر بزيٍّ جديدٍ ووظيفةٍ أخرى بمنصبٍ مختلف، بناءً على أدائهم وإنجازهم مهامّهم خلال فترة الدوام الأولى، فإن لم يكن جيداً سينتهي بهم المطاف بقسم الأرشيف أو أحد المستودعات. هذه خرافة ابتدعها مدير قسم الموارد البشريَّة في إحدى الشركات أملاً بتحفيز الموظَّفين وإيهامهم بإمكانية الحصول على ترقيةٍ أو علاوة في المستقبل إن أحسنوا البلاء، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى الشركات الأخرى.

أمّا آخر النظريات التي عثرنا عليها تفترض وجود مهربٍ من دورة العمل اللانهائية، ورغم أنَّها كالنظريّتين السابقتين مبنيَّةٌ على دورات الحياة، إلَّا أنَّ من يؤمنون بها يتمتعون بقدرٍ عالٍ من التفاؤل والأمل أدى بهم للاعتقاد بأن انتقالهم هذا يشمل تغيير المهنة أيضاً، فيعمل الواحد منهم مهندساً قبل أن تنتقل روحه لجسد حمار شغلٍ ثمَّ فأراً أمام مديره ثم محاسباً، وهكذا دواليك حتى يصل النيرفانا ويرى الضوء الأبيض ويغادر عالمنا هذا إلى غير رجعة.

 

مواطن يطالب راتبه أن يكبر ويصبح رجلاً ويتوقّف عن التصرّف وكأنه مجرد فكّة

image_post

فتح المواطن مالك الأُرطة محفظته صباح اليوم، وراح يرجو راتبه أن يكبر ويصبح رجلاً حقيقياً قادراً على تحمّل المسؤولية هذه المرة، عوض الولدنة والتصرّف كأنه ما زال مجرّد فكّة لا تقوى على إحداث أيّ أثرٍ ملموسٍ بحياته أو حياة عائلته.

وكان مالك قد تعرف على هذه الراتب منذ خمسة عشر عاماً بعد سنوات من البحث عنه، وعندما عثر عليه، اعتقد أنه وجد نصفه الآخر، ليكتشف أنه راتب صغير قاصر مبتدئ يصعب الاستفادة منه، فتحامل على نفسه واستمر بالتعامل معه، إذ كان من المستحيل أن يعثر على راتب بديلٍ آخر.

وقال مالك إنّ احتياجاته كبرت مع الوقت “ورغم ذلك لم يكبر راتبي بشكل يواكب زيادة مصاريفه. ما زال يتصرف كما لو أنه مجرد فكّة، قروش، ملاليم، هللات، فلسات، لا يستطيع تحمّل ولو قرض واحد أشتري به شقّة أو سيّارة، وبالكاد يكفي لتسديد فواتيري أو أجرة تنقّلي، كما كان الحال منذ تعرّفت عليه للمرة الأولى”.

وأشار مالك إلى أن راتبه لطالما وضعه بمواقف محرجة “أمام زوجتي وأولادي و شركة الكهرباء والهاتف والبقّال وبقيّة الدائنين. حاولت إشعاره بخطر تصرّفاته على علاقتنا، فعملت بوظائف أخرى وأتيت برواتب جديدة تختلف عنه، ولكنه لم يبد أي تغيّرٍ في تصرفاته. أعتقد أنه يعرف مدى عجزي عن الاستغناء عنه، وهو ما يكسر قلبي ويجرح مشاعري كلّما نظرت إليه”.

أكثر المواقف كوميديّة لهذا الشهر، شاب يدشّن حملة لدعم الصناعة الوطنيّة وكأنها موجودة

image_post

دشّن المواطن شاكر التنح حملةً لدعم الصناعة الوطنية كما لو كانت موجودة، متجاهلاً حقيقة أنّ الوطن لا يُنتج سوى أمثاله من المواطنين.

واستلهم شاكر حملته من خطابات القائد، مُصدّقاً ما قاله بأنّ البلاد دخلت عصر الازدهار الصناعي، فأخذته الحماسة الزائدة وقرّر تلبية نداء الواجب، والمسارعة بدعم المنتج الوطنيّ لتطوير الصناعة المحليّة، داعياً الناس للاكتفاء بها وعدم شراء أي منتجٍ أجنبي.

وقرّر شاكر وضع قائمة بأسماء المنتجات الوطنيّة وتوزيعها على الناس لتشجيعهم على شرائها “فخرجت للسوق بحثاً عن منتجات وطنيّة أضعها في القائمة، وتوجّهت أولاً إلى سوق السيارات والآليات الثقيلة، لعلّي أجد ولو بُرغيّاً أو مقعداً من صاعتنا، لكن عبثاً، فحتى السائقين والعمال كانوا أجانب. بعدها قرّرت التنازل قليلاً، وذهبت إلى سوق الإلكترونيات والأجهزة الكهربائيّة أملاً بالعثور على ما هو من صنعنا غير المذيعين والمغنّين الذين نسمع صوتهم ونرى سحناتهم من خلالها”.

وتابع شاكر “واصلت البحث في السوق طولاً وعرضاً، حتى تقطّع حذائي الإيطالي ولم أجد إسكافيّاً من أبناء جلدتنا يُصلحه لي، عندها استسلمت للقدر، ومزّقت الورقة صينيّة الصنع التي أردت كتابة أسماء المنتجات المحليّة عليها”.

من جانبه نفى مسؤول رفيع المستوى ادّعاءات الشاب، مؤكّداَ أن هيمنة المنتج الأجنبي طفيفة جداً “وتنحصر في بعض الصناعات فقط كالأسلحة والمعدات الثقيلة والاجهزة الالكترونية والكهربائية والصناعات البلاستيكية والمعدنية والخشبية والغازية والسائلة والبلازمية والملابس الخارجية والداخلية وورق الحمامات، الا أن هناك مساحة كبيرة للمنتج الوطني في البلاد كالمواطن والشرطي وضابط المخابرات والخازوق”.

في سياقٍ متصل، شخّص الطبيب النفسي، أشرف حلمات، حالة شاكر بأنه يُعاني من اضطرابٍ سلوكي دفعه للاعتقاد بوجود صناعة وطنيّة “من المؤكّد أنّه ومنذ طفولته يتوهّم وجود أشياء غير موجودةٍ كالاشباح الطائرة والمرحاض الناطق والحرية والديمقراطية والعدالة، ولربما أصُيب بنوبة هلوسة حادّة دفعته للاعتقاد بوجود صناعة في بلاده”.