معاذ شطّة – الناقد الفنّي والأدبي الحصري في شبكة الحدود

افتتح الفنّان التشكيلي عثمان ريش معرضه الفني الثاني، مستعينًا بذكرياتٍ قاسية شكّلتها طبيعة حياته الرتيبة على جدران شقّته، بعدما نفض عنها غبار البؤس الأزلي، ولملم أعقاب السجائر المبعثرة أسفل سريره، وتخلّص من زجاجات الويسكي المهشّمة، التي شلّت إنتاجه المعرفي ونالت من خصوبة مخيّلته.

أبرز الأعمال التي سيتوقف عندها زائر المعرض، بقعة العفن تلك المختلطة بقشور الدهان القديم في أحد الإطارات المعلّقة، والتي يتضّح من خلالها حدوث اشتباكٍ عاطفي داخل المساحة الخاصة التي خلقها ريش لنفسه، وصراع عنيف بين بقايا الوحدة واختلاجات الحب التي عانى منها، خصوصاً إذا ما لاحظنا في تلك الزاوية وجود ما يبدو وكأنه جحر فأرٍ اعتاد سرقة الفستق من صحن ذكرياته.

لم تكن الصدفة وحدها وراء اكتشاف ريش عبقريّته المتجدّدة في هذا المعرض، بل إنّ محاولته شحذ مخيّلته وتنظيف الجدران من لون الغيوم الذي كساها بفعل تدخينه عشرات سجائر الحزن يومياً على مدار سنوات، سمحت لبصيرته الفنية الثاقبة القيام بعملها، يقول ريش: “قبل بدئي تنظيف الغرفة للخروج من سوداويّتي، لمحت بقع الرطوبة والعفن خلف الخزانة والسرير، شعرت وكأنّ حسّي المهترئ قد خرج من القمقم، فقمت بتأطير الصّور كلّ حسبَ رمزيّتها”.

أجل، فكّ ريش براويز حبّه عن صور صديقته التي خذلته، وتركته وحيداً أمام العاصفة، لمجرّد تفضيله العيش مع أناه، كافياً العالم خيره وشرّه، ورافضاً أن يكون جزءاً من القطيع الذي يستيقظ كلّ صباح ليعمل ويعود للنوم، فكّها ليضعها حيث يليق بها أن تكون، هناك على الجدران، حول حقيقة الصورة.

ويأمل عثمان ريش أن يكون للنجاح الباهر الذي حقّقه المعرض في يومه الأول الأثر الإيجابي في نفسيّته رغم الحفر التي خلّفها قصّ لوحاته المُباعة من الجدران “وخصوصاً بعد أن اشترى أحد رجال الأعمال سلّة مهملاتٍ بسعر ممتاز يغطّي سعر بناء منزل جديد، رغم أنّها لم تكن جزءاً من الأعمال المعروضة للبيع”.

مقالات ذات صلة