لا يخفى على أيّ عاقل في هذه الأمّة مقدار الحقد والحسد الذي يُكنّه قاطنو كرتنا المستديرة على أمتنا المجيدة، والحقّ كُل الحقّ في صفّهم، فنحن نتفوّق عليهم حتّى بأبسط التفاصيل. الآسيويّون يغارون من عيوننا الواسعة الكحيلة، والأوروبيّون من سُمرتنا الطبيعيّة التي لا تحتاج حمّامات شمسٍ ولا كريمات أو صبغات، والأفارقة من شعرِنا الحريريّ الناعم. وحتى الإسكيمو، الذين يعيشون في قُطبهم البارد، من المؤكّد أنّهم يحترقون من الداخل وهم يتابعون أخبار الطقس في العواصم العالميّة ويرون طقسنا الجميل المناسب للرحلات أغلب أيام العام.

إذن، من المنطقيّ أن يُترجم ذلك لمؤامراتٍ شعواء لا نهاية لها، تملأ كُلّ تفاصيل حياتنا الصغيرة قبل الكبيرة، فقد وفّرنا لهم كُلّ الأسباب المنطقيّة لذلك. وهذا ما يحصل فعلاً، فمؤامراتُهم مستمرّة منذ ما قبل فجر التاريخ، ومن المؤكّد أنّهم حاكوا لنا مؤامرتين أو ثلاث أثناء قراءتك السطور هذه.

شخصيّاً، لا أشعر بالقلق من مؤامرات العدوّ مهما كبرت ونمت، لخبرتي الطويلة بالتصدي لها وفضحها تمهيداً لتفكيكها واحدةً تلو الأخرى، إلا أنّ مؤامرةً واحدة ما تزال تقضّ مضجعي وتسلب راحتي وتركيزي أثناء انشغالي بالتفكير بمؤامراتهم؛ تلك المؤامرة التي قد أكون أول شريكٍ بها، أجل، لا تعجب عزيزي القارئ.

أتحدّث هُنا عن نظريّة المؤامرة التي تختلف عن بقيّة المؤامرات، فقد نجح الأعداء بخبثهم بابتكار نظريّةٍ تحوّل المناضلين أمثالي لأدواتٍ وأعوانٍ لهم يؤدّون المهمّة عنهم، ويبثّون إشاعاتهم بأنّهم يحيكون المكائد  لنا ليل نهار كي ننشغل بالتفكير بهم والتصدي لهم بدلاً من التغزّل والتمجيد بأمتنا العظيمة، تلك المؤامرة التي أقنعتنا أن العدو قويٌ متجبّر، يستطيع فعل أي شيء وكُل شيء.

ولأنّ الأعداء سعوا دوماً لحياكة المؤامرات على أمتنا، فقد أُصبنا بالهوس من كُلّ تصرفاتهم، حتى بتنا نعتقد كُلّ حركةٍ يقومون بها، كاكتشافٍ جديد أو تجربتهم سلاحاً، بل وحتى نزاهة مسؤوليهم ونظافة شوارعهم، تُمهّد لمؤامرةٍ ما يحيكونها في غرفهم المُظلمة، وهم لم يقوموا بذلك عبثاً، فكل ما يفعلونه إمّا مؤامرةٌ أوتمهيدٌ لها، وقد أكثروا منها، لنُصدّق نظريّة المؤامرة وننشغل بها.

لا بدّ أنّ العالم قد سئم يقظة أمثالي من ذوي القدرة العجيبة على إفشال كُل مخطّطاته، وسعى من خلال عملائه وأجهزة مخابراته لإقناعنا بدونيّتنا وعدم اكتراثه بالتآمر علينا، فنشر الأخبار الكاذبة عن مؤامراته على وسائل التواصل الاجتماعيّ التآمريّة، ثمّ أوعز لعملاء الداخل بدحضها، ليثبتوا لنا أننا لا نستحق التآمر. وبذلك ننسى أمر التصدي لهم، ويُصبح الطريق خالياً أمام مؤامراته الكُبرى في المستقبل.

ولنعرف خبايا مؤامرتهم، لا بدّ أن نُدرك أنّ نظريّة المؤامرة بحدّ ذاتها مؤامرة، والأجدر تسميتها بمؤامرة نظريّة المؤامرة، لأنّها ليست نظريّةُ بل حقيقةٌ وأمرٌ واقعٌ تجسّدا بعقولِ أبنائنا وباتا ملموسين تماماً كمؤامرتيّ الحدود والبوكيمون.

وعند التصدي لنظريّة المؤامرة، علينا أن نعي الحدّ الفاصل بين مؤامراتهم الحقيقيّة وتلك المُختلقة، لكنّ ذلك الحدّ رفيعٌ لا يُرى بالعين المُجرّدة، لكثرة الحقيقيّة منها، والتي يعجز خيالنا عن استيعابها مهما كان جامحاً؛ فما يُبطنوه لأشدّ وأخطر من كُل تجاربنا السابقة معهم. لربما يسعون لخطف زعمائنا لأحد الكواكب التي اكتشفوها حديثاً، أو أن يبيعونا إحدى أدويتهم التي تُسبّب ضمور أجهزتنا التناسليّة ليحدّوا من تكاثرنا، ولعلهم يكملون مُخطّطهم للاحتباس الحراريّ، فيذوب جليد العالم ويرتفع مستوى مياه البحار لتغرق عواصمنا، أو يغتالوني، لتخسر الأمّة من يتصدى لكل هذه المؤمرات، لأنهم يدركون أنّ أمّةً فيها نبيه الجُعمق لن تُهزم.

معلومات عن الكاتب

نبيه الجعمق

لا يؤمن نبيه بتاريخ ميلاده المذكور في الأوراق الرسمية، إذ يرى أنه جزء من مؤامرة تحاك ضده ليظهر طاعناً في السن وفاقداً عقله. درس نبيه العلوم السياسية في جامعة هارفرد بحد قوله، إلا أنَّه تركها بعد ملاحظته تزوير أساتذتها الحقائق أمام عينيه، وقرَّر العمل بالصحافة ...

المزيد

مقالات ذات صلة