مهما كان المواطن حذراً بتعامله مع الدولة وأنظمتها، وسواء أصحفياً كان أم طالباً أم مراقباً أم شخصاً قاعداً في بيته يمارس هواية النِّقاشات السياسية مع الأصدقاء أو يشارك تحليلاً سياسياً على مواقع التواصل الاجتماعي ليحصل على حفنة من الإعجابات، غالباً ما يجد هذا المواطن نفسه مختفياً بشكل قسري أو في السجن تحت التعذيب والضرب والتنكيل.

ولكن، ما الذي يجعل الدولة، بكامل عظمتها وهيبتها واتزانها ووقارها، ضعيفةً واهنة حسّاسة لا تحتمّل أبسط أشكال النقد؟ ما الذي يجعلها تعتبر أصغر “تعدٍّ” على “هيبتها” إهانة قاسية تستحق إطلاق أسفل ما لدى حكومتها من رد؟

لحل هذه المعضلة، ااستشرنا خبيرنا للعلاقات العاطفيّة، عزمي حبايب، ليوضح لنا ولكم أهم المشاكل والعقد النفسيّة التي جعلت الدَّولة مرهفة وحساسة بهذا الشكل. وتالياً ما أتحفنا به:

١. الاضطهاد الذي تتعرّض له من حكومات الدول العظمى: رغم طول عِشرة الدَّولة مع الدول العظمى، وإشعالها أصابع شعبها العَشرة لإرضاء حكوماتها، إلا أن تلك الدول تصرّ على معاملتها بقسوة واحتقار، وتقيِّدها بسياسات منحرفة دون أن تترك لها مجالاً للاعتراض أو حتى التنفس، وهو ما لم يترك أمام الدَّولة مجالاً للتنفيس عن كبتها وغيظها سوى الشعب الكريم.

٢. عقدة النقص: فالحكومة فقيرة وحزينة وضعيفة تشعر بعقدة نقص حادّة وهي تقارن صورتها القبيحة في المؤشّرات الدوليّة أمام الدول الأجنبيّة كأمريكا واليابان والسويد، أو الهند أو البرتغال، أو حتّى أوغندا أو موزمبيق، فهؤلاء يخطفون أنظار العالم بحسنهم وجمالهم وعصريّتهم، ولابد أن الغيرة والحسد أكلت قلوب مسؤولي الحكومة وهم يزورون الأنحاء الراقية من العالم، ويتذكّرون أنهم يقيمون في وطن متواضع وشعب ضائع يقبع بين عشوائيات العالم الثالث.

٣. عدم ملاحظة الشعب للتغييرات التي أجرتها من أجله: لم يلاحظ الشعب تزيين الحكومة لشوارعها ودواويرها بتعليق الأعلام وصور القائد الجميلة وتلوين أطراف الأرصفة بالأصفر والأسود البراق، كما أنّه تجاهل جميع تعديلاتها الوزاريَّة بشكل تام، مهما كان حجمها، حتّى أنه لم يشكرها ولو بكلمة واحدة على ما أعدته في مطبخها السياسي من وصفات تنمويّة وخطط استراتجيّة للمستقبل، مما أدى إلى انكسار قلب الدولة وأفقدها الثقة بنفسها.

٤. عجز الشعب عن تلبية رغباتها: لم يكن ما قدمه الشعب من ضرائب ورسوم ومخالفاتٍ للحكومة كافياً لإشباع ميزانيّتها وإطفاء شبقها المادي المحموم، لذا، تكره الحكومة الشعب لأنه لم يوفِها حقّها، فتراها تنتقم منه كلّما سنحت لها الفرصة.

٥. خوفها من الخيانة: تخشى الحكومة تخلي الشعب عنها وخلعها بثورة لاستبدالها بحكومة أخرى كما فعل أقرانهم من الشعوب الشقيقة، ورغم تصريح الشعب مراراً وتكراراً بمدى حبّه للحكومة وعدم تخليه عنها مهما كانت الظروف، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإطفاء نار شكوك الحكومة واستمرارها بمراقبته وملاحقته وتسخيم معيشته.

٦. بلوغها سن اليأس: بعد تخطيها منتصف العمر قبل عقود عديدة، باتت الدولة تشعر بالحنين للزمن الجميل أيام بداية علاقتها مع الشعب، عندما كانت ما تزال حكومة صغيرة فتيّة يانعة تسحر شعبها المراهق الأرعن بخطاباتها وشعاراتها الرنانة، أما الآن، وبعدما نضج الشعب وهرم، وترهّل جهازها الإداري وعجزت عن توليد ما هو جديد، لم تعد السياسة النَّاعمة تجذب المواطنين، ولم يبق أمامها سوى استخدام الوسائل الخشنة للحفاظ على دوام واستمراريَّة العلاقة لأطول فترةٍ ممكنة.

مقالات ذات صلة