تحقيقات الحدود: كم مسؤولاً حكومياً يلزم لتغيير لمبة؟

lamba

كم وزيرا؟ كم صفقة؟ كم جلسة حوار؟ كم لجنة مركزية فرعية؟ وما هو قدر الشفافية اللازم لتغيير لمبة محترقة متفحّمة منذ ثلاث سنوات في دائرة شؤون الموظفين؟

هل تعرفون؟

نحن في الحدود لم نكن نعرف، واعتقدنا أن الأمر يتطلب وزيراً واحداً يهزّ طوله ويوقّع قراراً بتغيير اللمبة، فتتغير. ولنتأكد من اعتقادنا، شكلنا فريق تحقيق يرأسه خبير الحدود لشؤون التسيب والفساد، الأستاذ سمير رفيق، ولجنتين مركزيتين وواحدة فرعية للإشراف على نزاهة الفريق، وتوصّلنا إلى أن تغيير اللمبة في دائرة حكومية، ليست لمبة كبيرة في الساحة أو خط أنوار، بل مجرّد لمبة عادية لإنارة الغرفة، يحتاج إلى ٢٤٢ مسؤولاً، بالإضافة إلى خدمهم وحاشيتهم.

أجل، إنها الحقيقة بأُمّ أُمّ عينها

باختصار، يجب أن ينسّب مدير المشتريات للدائرة المالية بشراء اللمبة، مع ذكر الأسباب وضرورة أن يتمكن الموظفون من رؤية المعاملات والمراجعين، ثم تحويلها إلى الوزير الذي سيعيدها إلى الدائرة المالية التي ستؤجلها بدورها إلى السنة المالية المقبلة لعدم وجود مخصصات لشرائها هذه السنة، ثم يقوم الفريق المخصص لتحديد الموازنة بإدراجها ضمن المصاريف في السنة المالية للعام المقبل.

بعد ذلك، تخضع اللمبة لنقاش وزراء ومسؤولين وخبراء اقتصاديين قبل الموافقة عليها ضمن الموازنة، فينظر وزير المالية ومدير البنك المركزي في أمرها للتأكد من الجدوى الاقتصادية من الضرر العائد على المؤسسة من رؤية الموظفين للأشياء، ويتأكد وزير الصناعة من عطل اللمبة السابقة، ويراجع وزير العمل مدى كفاءة العمالة الوافدة بتركيب اللمبات، أما وزير العدل، فيكلف مستشاريه بالنظر في شرعية وعدالة حصول هؤلاء الموظفين على لمبة دونا عن باقي الموظفين الذين يعانون من نفس المشكلة، ويعمل وزير الثقافة على إعداد دراسة نقدية عن أثر اللمبة في تنوير عقول الموظفين، فيما يعكف وزير السياحة على حملة ترويج للدائرة التي ستحظى باللمبة وتشجيع المواطنين على زيارتها، ويكون القول الفصل لوزير الأوقاف، باعتباره الأخبر في معرفة مطابقة اللمبة للشريعة وكونها حلالاً أم حراماً، أم أنها بدعة تلهي الموظفين عن الصلاة أثناء دوامهم في المؤسسات.

إثر ذلك، يقدم وزير الزراعة والري ووزير التموين احتجاجاً ولأن الجميع يعتبرهم مجرد طراطير ولم يستشرهم أحد بالموضوع، ويقدمان شكوى رسمية بالأمر، فيحضر وزير العدل وقاضي القضاة للنظر في القضية، وبعد بضعة سنوات، يصدر حكم يعترف بأنه كان من الواجب استشارتهم، ويغرم الحكومة من أموال الشعب على خطئها، ويتم إدخال الوزيرين  في النقاش، مع تعويضهم عن الضرر النفسي الذي لحق بهم.

ثم يحال الأمر لمجلس الشعب، ثم الحكومة مرة أخرى، ونهاية بالقائد، فإذا تمت الموافقة عليها، يطرح عطاء لاستيرادها، وتشكل لجنة لدراسة العطاءات لضمان شراء أفضل لمبة بأرخص سعر، وبعد أن يتفق رئيس اللجنة مع أحد المستوردين على عمولته، يعطيه العطاء، وتحضر اللمبة، وتذهب لدائرة المواصفات والمقاييس للتأكد من مطابقة علبة اللمبة لمواصفات علب اللمبات عندنا، وتحال لدائرة الرقابة للتأكد من عدم عدم قدرة اللمبة على إنارة القضايا الحساسة، ودائرة المخابرات التي ستتحقق من اللمبة ودوافع إحضارها وأثرها على الأمن القومي للبلاد.

وأخيراً، تصل اللمبة إلى حيث يجب أن تركّب، ليكتشف المسؤول عن تركيبها بأنها لا تركب في السوكة، بسبب التطور الذي حصل خلال السنوات العشرين الماضية في مجال الكهرباء، لتُعاد حلقة الإجراءات من جديد.